لا يبدو التوتر بين السعودية والإمارات خللًا طارئًا في بنية التحالف الخليجي، بقدر ما هو تمرين منضبط على فكّ الارتباط المؤقت، تُختبر خلاله حدود القوة، وسقوف الطموح، وهوامش الاعتراض المسموح بها.
نحن أمام صراع لا يُدار بلغة القطيعة، بل بمنطق إعادة التموضع، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت موقعه كمرجعية إقليمية أولى، أو على الأقل كندّ غير تابع.
في هذا السياق، يبرز مشروع محمد بن زايد بوصفه محاولة واعية لفرض قطبية خليجية موازية، لا تتكئ على التاريخ السياسي الذي تملكه الرياض، بل على شبكة نفوذ أمنية–اقتصادية–إعلامية عابرة للجغرافيا. والتهكم هنا أن هذا الطموح يُسوَّق تحت عناوين “الاستقرار” و”الحداثة”، بينما جوهره لا يخرج عن كونه نزاعًا على احتكار القرار لا على مضمونه.
أما السعودية، فليست في موقع المعترض على السياسات التخريبية في الإقليم، بل في موقع من يرفض أن تُدار هذه السياسات من خارج مركز الثقل التقليدي، الخلاف، إذًا، ليس على التدخل في اليمن أو غيره، بل على من يكتب شروطه النهائية، ومن يحصد عوائده السياسية والأمنية، ومن يُترك له دور المموّل الصامت.
ومع كل ذلك، يبقى هذا التوتر محكومًا بسقف صارم، الولايات المتحدة ليست وسيطًا، بل مرجع توقيت، وحين ترى واشنطن، وخصوصًا في نسختها الترامبية، أن لحظة توحيد الصورة قد نضجت، سيتحوّل الصراع فجأة إلى لقاء مصوّر، وبيان دافئ، ومفردات مدروسة عن “الأخوة والمصير المشترك”.
عندها، يُعاد تعريف الخلاف بوصفه سوء فهم، ويُعاد تسويق الخضوع بوصفه حكمة سياسية.
إلى ذلك الحين، سنحصل على ما هو أثمن؟ اللغة الصافية للأنظمة، خطاب أقل دبلوماسية، وأكثر صدقًا في التعبير عن البنى الذهنية الحاكمة.
وهذا الانكشاف، رغم قصر عمره، يُسقط الادعاء بأن الخلاف قائم على اعتراض أخلاقي أو سياسي، ويثبت أنه صراع على تحاصص النفوذ وتوسيع مجالات السيطرة، من اليمن إلى القرن الإفريقي، مرورًا بشرق المتوسط وهوامش إفريقيا.
الخاسر الأكبر في هذه المعادلة ليس أيًّا من العاصمتين، بل الكتلة الوظيفية التابعة لهما في لبنان وسوريا واليمن وليبيا والسودان.
أولئك الذين سيُطلب منهم في الصباح الدفاع عن خطاب، وفي المساء مهاجمته، وفق تبدّل المزاج السياسي في الرياض أو أبوظبي ، وهنا تبلغ السخرية ذروتها أن يُطلب من التابع أن يكون صاحب موقف، بينما هو لا يمتلك حتى حق الصمت.
في الخلاصة، نحن أمام صراع عالِ الضجيج، منخفض النتائج، يُدار تحت السقف الأمريكي، ويُضبط بإيقاعه! لا يحمل مشروعًا لمستقبل الخليج، ولا رؤية لاستقرار الإقليم، بل إدارة مرحلية لتنافس سلطوي، ستنتهي حين يُطلب منها أن تنتهي. أما المصالحة المقبلة، فليست إلا هدنة أنيقة، تُكتب بلغة استراتيجية، وتُنفَّذ بمنطق الصفقات، وتُمهّد، بهدوء، للجولة التالية..
