● “عندما تكون قريبا من المكتب ضروري تتصل” أهملت هذه الرسالة التي وصلتني بينما كنت في الطريق للقاء بمن أرسلها وفور وصولي أخبروني أنه ليس بالداخل وأنه لن يحضر اليوم وقبل أن أبتعد كثيرا كان صوتا خافتا يتحدث عبر تلفوني ويخبرني أن أرجع لمقابلته – في مكتبه اعتذر ونظراته كلها معلقه نحو الباب المغلق وأخذ يقول إنه أصبح يحضر إلى عمله متخفيا ويطلب من موظفيه أن يبلغوا من يأتي للسؤال عنه أنه غير موجود بالداخل ولا يخرج إلا حين يصيب اليأس قلوب من يريدون اللقاء به والحصول منه على مساعدة يخرجون بها من أزمة ألمت بهم ولأنه كما يقول لا يريد أن يرد يدا امتدت إليه فهو يفضل الاختباء “قد أنا ضابح منهم” يقصد أبناء قريته الذين يقصدونه باستمرار ويكررون طلب عونه دوريا وكلما حلت بهم مصيبة.
يحثهم جوده على التمسك بالبحث عنه ودفعه للانتقال الدائم من مقر سكن إلى آخر كي يخفف من ما أصبحت ضغوطات لا تحتمل كما قال الرجل ذو الأربعين عاما قبل أن يسألني من هو محمد يونس الذي نصحته بالعمل مثله تبين لي فيما بعد أنه اعتقد أن يونس من قرية مجاورة له ويتبع سياسة حكيمة للهروب من أبناء قريته الذين يحتاجون إليه.
كان محمد يونس أستاذا في جامعة تشتا جونج المحاطة بالفقر وعقب عودته إلى موطنه بنجلادش من الولايات المتحدة عرف أنه من غير النافع أن يقدم محاضرات في الاقتصاد الحر والأسواق الحرة بينما أهاليهم يعانون مجاعة العام 1975التى حلت بالبلاد عقب الحرب وقرر أن يغير حياة فقراء القرية المحيطة بالجامعة يقول أن مقابلته لإحدى نساء القرية قد أوحت إليه بفكرة العمل الذي سيقوم به وجد أنها تعمل في صناعة كراسي من الخيزران ومع ذلك لا تحقق أي أرباح تذكر لأن من يقوم بإعطائها المال كقرض يشترط عليها أن تبيع له ما تقوم بصناعته يدويا وبأسعار يحددها هو فقرر يونس أن يضع حدا لهذا الاستغلال الذي كان يتعرض له آخرون غير صوفيا وقام بإقراض العديد من أهالي القرية ما يعادل 27 دولاراٍ لكل فرد وحاول إقناع البنوك بأن تقوم بإقراض الفقراء مبالغ مالية ليؤسسوا بها مشاريعهم الصغيرة فسخروا منه ولم يفلح في إقناعهم أن هناك من سيرد القرض إلى أن افتتح بنكا خاصا بالإقراض عقب جهود مضنية لإقناع شركاء وأصبح مصرف القرية أو جرمن بنك هو البيت الذي يوفر الأمان لعشرات ثم لآلاف المحتاجين الذين غير أستاذ اقتصاد في دولة منهارة اقتصاديا حياتهم وانتشرت فكرته فيما بعد إلى أنحاء متعددة في العالم خاصة عقب حصوله على جائزة نوبل في الاقتصاد عن أفكاره العظيمة .
رفع الأيدي
لا يحتاج المختبئ في مكتبه إلا إلى الخروج إلى من يبر بهم وينقذهم من مشاكلهم ويضع تصورا بسيطا لأبناء قريته المحبين لعطائه وقبل أن يتحولوا إلى مجرد منتظرين لسمكة كل شهرين يستطيع أن يخصص جزءاٍ من نشاطه التجاري إلى إنعاش الجانب الاجتماعي ويجعل تلك المبالغ المهدورة أنفع ونواة لمشاريع متعددة ويصبح محمد يونس قريتنا وليس فقط رجل يتصدق كلما فشل في الاختباء والتنكر .
وليس وحده من بوسعه القيام بالأمر فالكثيرون ممن يضعون بصماتهم في العمل الخيري المشتت يمكنهم الانتقال إلى العمل الاجتماعي الذي يرفع الأيدي من التسول ويحولهم من محسنين إلى شركاء فمن يعملون في المؤسسات المالية يمكنهم اتباع استراتيجية تنمية القرى من خلال ابتكار أفكار تصنيعية صغيرة وتمويلها بالقروض التي لا تتبعها فوائد ضخمة تدمر أي مشروع مهما كان صغيرا أو كبيرا .
وبالنظر إلى الواقع الحالي يصاب كل متفائل بالإحباط من السياسة التي تتبعها البنوك المدعية للإقراض الأصغر فهي لا تتحدث إلا عن أرباح تتجاوز 20% وضمانات معقدة تحول دون وصول القروض الصغيرة لمن يحتاجونها ورغم معرفة البنوك العاملة أن القروض الميتة والمتعثر سدادها هي قروض قدمت لمن هم في غنى عنها ومن لا يريدون سدادها منذ أول يوم اقترضوها وكلها مبالغ مهولة كما تظهر التقارير المالية للبنوك حتى أن أحد المصارف الخاصة بالقروض الصغيرة من بين الملايين التي تم إقراضها لم يصل حجم التعثر إلى مليون واحد لأن المقترضين بلا مرافقين وعملوا أولا لإعادة ما اقترضوه يقول وليد الحميري أنه يؤخر إغلاق بقالاته كلما تذكر أن عليه ديناٍ يجب سداده قبل نهاية العام “وهو شعور يصاحب كثيرين ممن اقترضوا” .
المال بلا أفكار
صحيح أن المال بلا أفكار يبدو عاجزا عن الحركة لكن الأفكار بلا مال تصبح حبراٍ على ورق ويغدو الجميع مقلدا أو عاجزا عن الإنتاج – فمثلا تصيب الدهشة كثيراٍ من التجار اليمنيين الذين يذهبون إلى الصين وهم يرون المباني الصغيرة والعمال المتواضعين تنتج جميع السلع وتعمل في أماكن بعيدة عن المدن وتقدم أفضل الأسعار لأنها أقل كلفة وأقل احتياجا للموازنات التشغيلية.
ولا يعرف كثير من هؤلاء التجار أن دول النمو السريع حاليا تقوم على ما يعرف بالصناعات الصغيرة وأن زمن المصانع الضخمة قد ولى وجاء عصر المشروع الصغير الذي لا يكلف ويحتاج إدارة وموظفين كثيرين وإمكانيات متعددة وهو ما يجعل الصناعات الصغيرة أهم من أي صناعات كبرى فهي حركة اقتصادية تنمي المجتمع ولا ترهق الحكومات والدول وهناك عدد لا ينتهي من نماذج هذه الدول التي قفز اقتصادها بفعل هذه السياسة المتواضعة كالهند والصين والبرازيل واندونيسيا وبنغلاديش وغيرها من دول يحملها مواطنيها إلى الأمام وليس العكس .
ويظهر أن مشكلتنا تبدأ بخلق الأفكار فمثلا كنا نحتاج إلى مواطن لبناني يعلمنا كيف أنه يمكن فتح البلس “التين” ووضعها داخل كيس يصنع خصيصا لها يزيد من قيمتها أضعاف ويجعلها قابله للتصدير كما فعل المواطن اللبناني حين طلب من أربعة يبيعون التين الشوكي على العربيات أن يلتحقوا به ووفر لهم أكياساٍ توضع أربع بلسات في كل كيس ويتم كل العمل في دكان صغير وبدأ التصدير إلى بيروت – كنا بحاجة أيضا إلى أمريكي يقول لنا إن بيت بحوش يصلح مقهى جميل يواظب اليمنيون على ارتياده وشرب القهوة فيه لتصبح ظاهرة لم يجرؤ أحد على تجربتها من قبل .
كانت النساء في إحدى مناطق تهامة بحاجة إلى أن تأتي امرأة من جنوب أفريقيا لتخبرهن أن إضافة لون خفيف والابتكار في التصميم سيضاعف سعر حقيبة اليد التي يصنعنها من سعف النخيل إلى أربعة أضعاف وستلقى رواجا في لندن وباريس وروما بدل أن تظل معلقة عند مدخل دكان في سوق شعبي بالحديدة لسنوات تقول فائزة السليماني ضابط مشاريع في وكالة التنمية التابعة للصندوق الاجتماعي أن الحرفيات التقليديات استغربن من بساطة الأفكار التي تغير من قيمة ما يصنعن وحين جاءت من تدربهن أصبحن يصنعن لسوق عالمية وليس للداخل فقط” .
يحتاج سكان القرية أو المدينة إلى آلات صغيرة تغلف ما ينتجون وتجعل سلع تقليدية أجمل ولن يحصلوا عليها إلا عبر قروض صغيرة بضمانات ممكنة وأرباح طفيفة أو دون أرباح حتى يتقدموا ويخرجوا من الانتظار لما تجود به الوظيفة أو بضاعة يتم إنتاجها في الصين رغم بساطتها – هذا ما كنا نحتاج لا أن يرفرف علمنا في منظمة التجارة العالمية قريبا ونحن لا ننتج حتى الزر الصغير المغروس في شميزك الآن أو الخيط الذي تربط به جزمتك – كادت شركة أمريكية أن تنهار لأنها استوردت ذلك الخيط لموظفيها وكان يمكنها أن تطلب البضاعة دون خيوط وكذلك نحن كم من الأيدي ستتحرك لصناعة ذلك الشيء البسيط .