الانحياز المطلق للمظلوم والمواطن

أحمد يحيى الديلمي

 

أحمد يحيى الديلمي
استقيت العنوان من الرسالة الأخيرة التي وجهها الأستاذ مهدي المشاط رئيس المجلس السياسي الأعلى أثناء اجتماعه بهيئة رفع المظالم ، والحقيقة أنها رسالة معبرة وقوية جداً عكست عمق الإيمان الصادق بالله سبحانه وتعالى والعمل خشية من الرقابة الذاتية التي مصدرها الضمير المرتبط بالخالق سبحانه وتعالى وبالعبودية الخالصة له.
مثل هذا الكلام افتقدناه لزمن غير قصير بالذات حينما يتعلق الأمر بالقضاء والشرع القويم وقضية انصاف المظلوم ، فكما نعرف أن هيئة رفع المظالم تم تشكيلها في زمن مبكر ، وكان الغرض منها في البداية إيجاد وظيفة لبعض القضاة الذين اختلفوا مع وزير العدل في ذلك الحين ، ثم وجدتها الرئاسة فرصة لتحقيق منفذ إلى اختراق الأحكام ورفض كل ما لم يتماش مع خياراتها الذاتية واستراتيجية أصحاب النفوذ القوي والسيطرة غير المتكافئة مع امكانيات الضعفاء ، خاصة بداية عام 2000م عندما تم تشكيل مجلس القضاء بما يوافق المزاج الخاص لرئاسة الدولة ، حيث كان المجلس يتعاطى مع الأحكام وفق المشيئة العليا وبحسب ما تمليه عليه من خلال هذه الهيئة ، أي أن وظيفة الهيئة تحولت إلى وبال على المظلوم ونصرة للظالم ، وهذا هو عين ما أدركه الرئيس المشاط حيث تطرق إلى المهام الأساسية الموكلة إلى هذه الهيئة ودورها في رفع الظلم عن كاهل المواطن حيثما كان موقعه ، بحيث يكون الناس جميعاً تحت طائلة القانون من أعلى منصب في الدولة إلى أصغر موظف ، هذا ما قاله بالحرف الواحد وأكد أكثر من مرة أنه شخصياً منحاز بشكل مطلق إلى المظلوم حتى ينتصر له من الظالم ، وإلى المواطن اليمني حتى يكفل حقوقه ، وهذا كلام عظيم وعلى درجة عالية من الأهمية وضعه الرئيس المشاط أمام أعضاء الهيئة وطلب منهم أن يكونوا بنفس المستوى من المسؤولية والإدراك لكي يقفوا إلى جانب المظلوم ويكونوا عوناً على الظالم حيثما كان موقعه.
ومن نفس النقطة نجد أن الرجل أضاف أعباء جديدة إلى هذه الهيئة التي كانت معنية فقط بمراجعة الأحكام الصادرة عن المحكمة العليا وتحت عنوان ما يُسمى « قضاء الرئيس» الذي كان يوجه بإعادة النظر في بعض الأحكام وإيقاف تنفيذها حتى يُعاد النظر والمراجعة فيها ، وكيفما كانت تجري هذه الأشياء إلا أنها مثلت نقطة ارتكاز هامة للانصاف ، واليوم حينما يتوسع نشاط هذه الهيئة فإنه يعني الوصول بالدولة ومسؤوليها إلى مقام الإحساس بهموم وتطلعات المواطن والوقوف إلى صفه كلما كان مظلوماً أو بحاجة إلى دعم ومساعدة ، فالقضاء كما نعلم هو محور ارتكاز الدولة وحائط الصد الذي يمنع الاختلالات في أجهزة الدولة الأخرى ، وسواءً أسميناه سلطة قضائية أو منظومة عدلية الأمر لا يختلف المهم أن يوجد قضاء عادل يحقق الإنصاف للمواطن كمواطن لا ينظر إلى منصبه وإلى سلطانه وإلى ثروته بل إلى مظلوميته وما وقع عليه من جور نتيجة المحاباة والمجاملة أو بفعل المال ووجود ضمائر فاسدة تنحني أمام بريقه وتحقق لصاحبه كل ما يتطلع إليه ولو على حساب الشرع القويم والأحكام الإلهية .
في هذا الصدد تذكر المصادر أن أول مستشار لألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية جمع مسؤولي الدولة وسألهم عن كل القطاعات فقالوا أنها كلها تعرضت للخراب والتدمير وأنها بحالة مزرية ، فسأل عن القضاء قالوا أما القضاء فهو سليم ومعافا ، قال إذاً كل شيء سيتم إصلاحه طالما هذا المرفق صالح ويقوم بالمهام الموكلة إليه على أعلى مستوى من الإحساس بالمسؤولية , وهي نقطة هامة وضعها الرئيس المشاط في الحسبان وهو يخاطب أعضاء هيئة رفع المظالم ، بل وامتد خطابه إلى المسئولين في بقية مؤسسات الدولة ، ولكي يقترن القول بالعمل فالمطلوب وضع لائحة جديدة تنظم عمل هذه الهيئة ، لأنها كانت في الماضي كما قلنا مقتصرة على مراجعة الأحكام الصادرة عن المحكمة العليا ، وكان يتم التعاطي في هذا الجانب بتعسف وعدم إحساس بالمسؤولية لأنها أرتبطت بالمادة (293) من قانون المرافعات التي تقول :
أ ) لرئيس الجمهورية بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى أن يطلب من رئيس المحكمة العليا إعادة النظر في أي حكم بات يرى أنه يشتمل على خطأ يضر بالعدل مع تبيين وجه الخطأ .
ب) ينظر الحكم سبعة من قضاة المحكمة العليا يكون بينهم أحد نواب رئيس المحكمة العليا رئيساً لها ويكون الأعضاء من رؤساء الدوائر فيها على ألا يكون منهم من سبق له أن نظر القضية ، وإذا تعذر تشكيلها لهذا السبب يكون لرئيس المحكمة استكمال العدد من بين قضاة المحكمة العليا .
ج ) يصدر الحكم باغلبية خمسة أعضاء على الأقل .
واليوم طالما أصبحت المهام واسعة ومتعددة فإن المطلوب إعادة النظر في قانون ولائحة الهيئة لكي تصبح ذا قوة إبرائية وتعمل في إطار المهام الموكلة إليها لا أن تكون بديلاً لمؤسسات الدولة الرسمية أو تتعارض في أدائها مع المهام التي تقوم بها هذه المؤسسات ، لكن أن تكون جهة ردع ومتابعة تعمل على إنصاف المظلوم حيثما كان موقعه فكم من المظالم تحدث في الوظائف العامة وكم من المظالم تحدث في مؤسسات الخدمات العامة التي سبق أن تم تكليفها بوضع مكاتب تسمى بمكاتب خدمات الجمهور ، لكنها تحولت إلى مجرد يافطات لا تعمل شيئاً سوى الدعاية والتضليل ، وهذا ما يجب أن يدركه العاملون في الهيئة لابد أن يكون أداؤهم على مستوى عالٍ من الإحساس بالمسؤولية الملقاة على عاتق كل منهم ، بحيث يكونون فعلاً قادرين على الوقوف في وجه الظالم وإنصاف المظلوم ، وهذا ما يتمناه كل مواطن على أن هذا الأمر لا يجب الاكتفاء به ، بل لابد من التركيز على إصلاح جهاز القضاء ، كما قلنا لا نهتم بالمسميات فقط لابد أن تنفذ العملية إلى داخل أروقة القضاء ، ويبدأ الإصلاح من منهج المعهد وإزالة الشوائب التي علقت به وينتهي بأمناء السر في المحاكم الابتدائية والاستئنافية والعليا ، ففي هذه القنوات تحدث العجائب ويتم ابتزاز الخصوم بطريقة غير سوية، بل إن أمناء السر في الغالب تحولوا إلى مجرد أدوات للفساد والإفساد ، يتلقفون القاضي من أول وهلة يجلس فيها على الكرسي ويدلونه على مواقع الفساد وأين تكمن وأين تتم لكي يصبحوا هم الأداة الفاعلة والقوية التي تحرك القضايا من عدمها ، ومن ثم يحدث التداخل في المهام والمسؤوليات وتصبح الأحكام مجرد مزاد خاضعة لمن يدفع أكثر ، والطرق في هذا الجانب كثيرة فهناك أمين سر يعمل على التطويل والبطء في إنجاز القضايا لخدمة طرف من الأطراف ضد الآخر ، كلما عرف أن الطرف الذي دفع وقدم المال لا يمتلك الأدلة والقرائن التي تؤكد أحقيته فيحاول التسويف والمماطلة والمباعدة بين الجلسات حتى يصل إلى غرضه ويحقق القصد الذي يسعى إليه .
في هذا الموضوع بالذات طالما كتبنا وطالبنا بأن يكون الإصلاح شاملاً ، ويبدأ بالفريق المساعد للقاضي في كل محكمة وإخضاع هذه الوظائف للتدوير الوظيفي، تصوروا أن أمين سر في محكمة ابتدائية له ثلاثة عقود من الزمن في نفس المحكمة فأصبح يعلم حتى بعدد شعر رأس الخصوم ويتلاعب بقضاياهم بطريقة عجيبة لكي يخضع العدالة لمن يدفع أكثر ، وهذا مجرد نموذج فقط ولو أن هناك ثورة في هذه الحلقة بالذات لعرف الأخ وزير العدل والأخ وكيل شؤون التوثيق مكمن الخلل ، ولما ظلوا يبحثون عن مهام ثانوية لا علاقة لهم بها ويتقاعسون عن المهام الأساسية التي تمس حياة المواطن اليومية ، الأمل أن يتفهم الجميع كلمة الرئيس المشاط وأن يكونوا في مكان القدوة الحسنة ويترجموا الكلمات التي صدرت عنه في سلوكهم وأعمالهم اليومية ، لا من أجل المال أو الترقية الوظيفية ولكن طلباً لرضا الخالق سبحانه وتعالى ، فهل يستوعب الجميع مثل هذه القضايا ويكونون عند مستوى المسؤولية؟! أخيراً وهو الأهم يجب أن لا نُكثر في المسميات والهيئات دون أن يلمس المواطن فاعليتها وقدرتها على إحقاق الحق وإنصاف المظلوم خاصة في جانب العدل ، فكما يقال العدل أساس الحكم وهو كذلك إذا ما استطعنا أن ندرك أبعاده وحققنا قوة حضوره في الواقع فهو ميزان الإنصاف وأساس البناء القوي .
أشكر الرئيس المشاط على كلمته الضافية وأتمنى أن يستوعبها الجميع وأن تكون المقدمة لأعمال عظيمة لا أن تتحول إلى مانشيتات في الصحف أو شعارات على الجدران ، هذا ما نأمله في ظل المسيرة القرآنية .. والله من وراء القصد ..

قد يعجبك ايضا