إيضاح وبيان في مقاطعة بضائع دول العدوان (4)

عدنان الجنيد
كنا في الحلقة الماضية قد ذكرنا بعض الأدلة على وجوب مقاطعة منتجات دول العدوان، والآن نستكمل ذكر بقية الأدلة، وإليك ذلك :
٢- إن الله تعالى نهانا عن موالاة أعداء الله ورسوله، قال تعالى :(لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ..)[ المجادلة :22] وقال :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّه عَلَيْهِمُ ..)[الممتحنة :22] وقال : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ.. )[النساء :144] وقال :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُم فَإنَّهُ مِنْهُمْ ْ.. )[ المائدة : 51] وقال :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)[المائدة :57] ،… إلى غيرها من الآيات التي تنهانا عن موالاة أعداء الله ورسوله…
فالمتأمل لهذه الآيات سيجد أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مناصرة أعداء الله ومصافاتهم ومحبتهم وصداقتهم، وغير ذلك من ألوان الصلات ، وكل هذا يعد من معاني الموالاة، ومقاطعة بضائع ومنتجات دول العدوان تعد إحدى مصاديق هذه الآيات التي جاءت تنهى المؤمنين عن موالاة الكافرين من اليهود والنصارى؛ لأن استيراد بضائع دول العدوان وشراء منتجاتهم تعد دعماً لاقتصادهم، وهذه من الموالاة الفعلية التي تساهم في نمو اقتصاد الأعداء، وهذا من جملة ما نهى عنه القرآن من الموالاة العامة لأعداء الإسلام والمسلمين ..
إذاً فالتطبيع مع دول العدوان وفتح العلاقات معهم محرمُ شرعاً، فلا يجوز مساعدتهم أو استيراد بضائعهم أو التعامل معهم بأي شكل من الأشكال، أو مشاركتهم بأي تعامل تجاري … إلخ
وكل من والى أعداء الإسلام والمسلمين -سواء بمعاملته أو بماله أو بلسانه أو بقلبه أو بأي طريقة كانت- فإنه يعد منهم مصداقاً لقول الله تعالى: (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ..).
٣- إن الله تعالى يقول :(وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ)[ التوبة :120] ،
فليس للمسلمين أن يؤثروا أنفسهم بالراحة والدعة ويتركوه – صلى الله عليه وآله وسلم – يتعرض للسب والشتم والإساءة!! ، بل عليهم أن ينتصروا له – صلى الله عليه وآله وسلم – كما انتصر الصحابة له صلى الله عليه وآله وسلم، فهذا ثمامة بن أثال الذي يعد أول مقاطع تجاري للعدو، فعن أبي هريرة – في حديث طويل ذكر فيه قضية أسر المسلمين لثمامة إلى أن قال وهو يحكي جواب ثمامة لرسول الله بعد أن أطلقه من الأسر- : «ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إليَّ، والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إليَّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت، قال: لا ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1)
قلت : فانظر إلى هذا الصحابي كيف استشعر دوره في نصرة رسول الله -صلوات الله عليه وآله- لأنه كان يعلم ما تقوم به قريش من عدوان على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وعلى المسلمين، فما كان منه إلا أن قاطع تجارتهم وحاصرهم بأن منعهم من الطعام، ولما أصاب قريشاً الجوع أرسلوا إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يستعطفونه ويسألونه الرحم بأن يأمر ثمامة بفك حصارهم من الحنطة… ، وما كان من النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – إلا أن فعل ذلك.
لهذا يجب على المسلمين اليوم ألَّا يألوا جهداً في استخدام كل الوسائل المتاحة لهم في ردع تلكم الدول التي أساءت إلى رسول الإسلام والإنسانية سيدنا محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – وتبنت نشر هذه الإساءات عبر مجلاتها وصحفها، كدولة فرنسا وغيرها..
ولعلّ من أبرز وسائل الردع مقاطعة بضائع ومنتجات دولة فرنسا وبقية دول الاستكبار، حتى يكونوا من الذين قال الله فيهم :(فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[ الأعراف :157]. إذ لابد لجميع المسلمين أن ينصروا رسول الله _صلى الله عليه وآله وسلم – ويبينوا للشعوب الإنسانية – عبر جميع الوسائل المرئية والمسموعة والمقروءة – عظمة وأخلاق وصورة هذا النبي العظيم – صلى الله عليه وآله وسلم – وذلك من خلال ما جاء عنه في القرآن الكريم
٤- لا يختلف عاقلان على أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – يُعدُّ القدوة الحسنة لأمته، قال تعالى:(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ..) [الأحزاب :21]، ومن هذا المنطلق وجب على الأمة اتباعه، قال تعال :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ..) [محمد : 33]، ولهذا يجب على المسلمين أن يقتدوا بنبيهم – صلى الله عليه وآله وسلم – ويهتدوا بهديه وبسيرته..
فمن سيرته العملية أنه – صلى الله عليه وآله وسلم -بعد أن هاجر إلى المدينة كان أول نشاط قام به ضد قريش الترصد لعيرها وقوافلها التجارية بهدف ضرب اقتصادهم، ومن أكبر قوافل قريش التي أراد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أن يعترضها هي القافلة التي كان يقودها أبو سفيان في أربعين رجلاً، وكانوا عائدين من الشام، وقد شارك فيها كل أهل مكة بأموالهم، ويحمل بضائعها ألف بعير ، وتقيَّم بخمسين ألف دينار ..
ولهذا أمر النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – أصحابه بالخروج معه ليعترضوا هذه القافلة ويأخذوها؛ لأن قريشاً كانت قد صادرت أموال المسلمين، ناهيك عن تعذيبهم للمستضعفين منهم، والسيطرة على كل ممتلكاتهم، لهذا كان من المناسب للنبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وأصحابه أن يستعيدوا أموالهم من خلال السيطرة على تلك القافلة، والاحتفاظ بأموالها إلى أن يعيدوا إليهم أموالهم المصادرة، وإلا فإنهم سيتصرفون في هذا المال كغنائم حرب، ويقسمونها فيما بينهم ، ولكن أبا سفيان استطاع أن ينجو بالقافلة باتخاذه طريقاً آخر ، وبعدها – مباشرة – كانت معركة بدر الكبرى..
والشاهد مما ذكرناه -آنفاً- هو أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – أراد أن يكبد قريشاً بخسارة اقتصادية كبرى جراء ما قامت به ضد المسلمين في مكة بتعذيبهم ومصادرة كل أموالهم ..
ولهذا كانت المقاطعة الاقتصادية اليوم بمثابة تكبيد قريش الحاضر (السعودية والإمارات) وأسيادهما من الصهاينة والأمريكان وبقية دول الشر، من خلال ضرب اقتصادهم المتمثل بمنع استيراد بضائعهم، والامتناع عن شراء منتجاتهم.
٥ – ما من شك أن بعض الأنبياء قد لجأ إلى المقاطعة الاقتصادية كوسيلة ضغط على إخوته الذين أرادوا قتله، وفرقوا بينه وبين أبيه؛ كي يصفو لهم الجو مع أبيهم، وينالوا محبته الكاملة دونه، لكنهم – وإن نجحوا في إبعاده عن أبيه لعشرات السنين بكذبهم على أبيهم بأن الذئب أكل أخاهم – باؤوا بفشلٍ ذريع في تحقيق أمنيتهم، ولم يحصلوا على بغيتهم، فقد أظهره الله عليهم وسادهم، وكان وليهم ومولاهم، فأتوا بأبيهم إليه وهم راغبون..
يقول الله تعالى – حكايةً عن يوسف عليه السلام – : (وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ، فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ)[ يوسف :59 – 60]..
قلتُ : من يتأمل في هذه الآية ويسبر غور معناها فسوف يدرك يقيناً وجود إشارة واضحة إلى استخدام يوسف – عليه السلام – لسلاح المقاطعة كوسيلة ضغط على إخوته .
والله تعالى ما قصَّ لنا أخبار الأنبياء إلا لكي نتأسى بهم، ولهذا قال الله لنبيه :(فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)[ الأنعام :90].
ولا يوجد في شرعنا ما يخالفه، بل هناك ما يؤيده، كما في حديث (ثمامة بن أثال) الذي مرَّ ذكره آنفاً.
……..الهامش…….
(1) « فتح الباري، شرح صحيح البخاري «[688/7] برقم (4114) ،كتاب المغازي – باب وفد بني حنيفة، وحديث ثمامة بن أثال .

قد يعجبك ايضا