الدرس الوحيد من العاصفة!!

 
توفيق الحرازي
يوماً بعد يوم؛ وشهراً بعد آخر؛ يتكشف مأزق العرب الراهن في اليمن عن حقيقة صادمة؛ مفادها أن تجربة “التحالف” وأحلام الاتحاد ولمّ الشمل؛ لم تخدم أحداً كما خدمت إسرائيل، وأن “عاصفة الشؤم” لا يبدو المستفيد منها سوى عدو مشترك؛ توحدوا لفضح هزالتهم أمامه، وقدّموا له أكبر خدمة!
الأدلة كثيرة، لكن يكفي أن مؤشرات “العاصفة” على الأرض؛ ونتائجها السلبية حتى الآن؛ طمأنت القلق الصهيوني؛ وبددت أوهام القوة الرادعة وتوازنات الرعب المزعومة؛ ومخاوف التفوق العربي في المنطقة!
لطالما ظلت هواجس التقارب العربي تقلق الدولة العبرية منذ نشأتها؛ وتقض مضجعها؛ وتستدعي مؤامراتها طيلة نصف قرن؛ خوفاً من أية طموحات قومية أو محاولة التئام تقلب معادلة الصراع وتصنع تفوقاً عروبياً يهدد وجودها.. ولطالما ظل هاجس التلاحم والتحالف حلماً يراود الأمة العربية لعقود من الزمن؛ ومَوّالاً تتغنى به الأجيال؛ وكابوساً يقض مضاجع المستعمرين والصهاينة معاً، لأن في الاتحاد قوة وسيادة للعرب، والتفرق ضعف وهوان… لكن ما أن سنحت للعرب فرصة تحالف، ولاحت وبارقة أمل، وفرحوا بميلاد قوتهم الرادعة؛ حتى سقطوا في أول اختبار؛ وفشلوا فشلاً ذريعاً في اليمن؛ ويا فرحة ما تمت!!
فما أن جاء “التحالف المنتظر” حتى مضى ينسف كل تلك الأوهام؛ ويكشف مدى وهن العرب؛ حتى وإن تحالفوا؛ ويثبت عجزهم الفاضح عن صناعة أي انتصار؛ مهما أوتوا من عناصر قوة وتحالفات وإمكانات هائلة؛ كالتي يستعرضونها في اليمن.. ولم تغن عنهم كثرتهم وتكتلهم وقصفهم وضخامة أموالهم وفارق الإمكانيات المهول أمام فئة قليلة من أبناء جلدتهم قاتلوها بلا هوادة ولم تُقِر لهم بنصر!
ثمة دولة فقيرة للغاية؛ تعاني انقساماً سياسياً مروعاً؛ وجيشاً مفككاً؛ واقتصاداً منهاراً؛ وخزينة مفلسة؛ وحصاراً شاملاً لكل مقدرات الحياة، وحرباً داخلية طاحنة، وجبهات استنزاف متعددة؛ وقصفاً جوياً مدمراً، وترسانة بحرية ضخمة؛ وحرباً إعلامية ضارية؛ وصمتاً دولياً مطبقاً؛ بإسناد محلي؛ ومحاربين من تنظيماتٍ وبقاعٍ شتى؛ ومعركة غير متكافئة مطلقاً؛ بأحدث الصواريخ والطائرات والبوارج والعتاد الضارب والعبوات المفخخة والتفجيرات والغارات والدمار، والرعب اليومي، وسبعة أشهر من الملاحقات والمطاردات الفضائية إلى البيوت والمخابئ؛ السهول والجبال؛ الوديان والقفار.. لكن رغم كل هذه الإمكانات الضخمة وفارق القوة لم يتمكن منتخب العرب اليوم من إحراز نقاط فوز؛ أو تقدم حاسم؛ بالمعنى العسكري للكلمة.. وما يزال التعادل قائما بعد انتهاء المباراة المدمرة وإعلان الحكم عن بدء المفاوضات، ويبدو أن تأخر جنيف فرض جولة أخرى، ولن يغير الشوط الإضافي وضربات الترجيح في النتيجة شيئاً.
لطالما سقطت أنظمة متماسكة في ظرف أسابيع، وانهارت دول قوية في أقل من شهر، بعضها بحرب خاطفة، وبعضها بضربة من الجو، وبعضها من البر، وأخرى بحصار، وغيرها بانقسام داخلي، وربما بمجرد تواطؤ دولي او اقليمي.. أو حتى بحرب نفسية وإعلامية كما حدث لنظام صدّام، بينما تحالف العرب؛ حتى وقد امتلك كل هذه العوامل مجتمعة، وعززها بقوة ضاربة- جوا وبحرا وبراً، وما لذ وطاب من القنابل المحرمة والصواريخ البالستية والبراميل المتفجرة، والغارات المتلاحقة، وطيارين وطيارات من كل الجنسيات، إلا أنه تاه في جبال اليمن، وغاص في مستنقع ضحل، وذهب في رحلة مجهولة دون اياب، كمن خرج ولم يعد!
الآن حان لإسرائيل أن تريح وتستريح.. وأن تمدد ولا تبالي.. وتتمدد بلا حرج.. فمخاوف الأمس من التحام العرب؛ أو من أي تحالف يجمعهم؛ أو من أحلام مشتركة تراودهم؛ لم يعد يشكل هاجساً أو يمثل خطراً؛ بعد أن أحرجتهم حرب اليمن!
بعد نحو تسعة أشهر من التعثر في مطب اليمن؛ مؤكد أن العرب لم يكونوا بحاجة مطلقاً إلى تحالفات خائبة تحرجهم؛ وحرب خاسرة تخيب أملهم؛ ومعركة استنزافية طويلة لم يخرجوا منها بنتيجة سوى أنها عرّت سوأتهم؛ وكشفت حجمهم؛ وفضحت قدراتهم؛ وهزت صورتهم؛ ومرغت هيبتهم في الوحل.. فضلاً عن أنها شوهت فكرةً عروبيةً نبيلة طال انتظارها!
الآن سيعلنون وفاة العرب.. لم يعد بإمكانهم أن يحسموا شيئاً.. لقد فقدوا السيطرة.. فقدوا التوازن.. وأضاعوا أية فرصة للقوة والتكامل.. ثقلهم لا تأثير له، وتحالفاتهم بلا وزن، وقوتهم لم تعد ذات جدوى مهما حاولوا استعراض عضلاتهم واتحادهم وإمكاناتهم المهولة، ولا يمكنهم حتى شراء انتصارات بأي ثمن؛ ولو امتلكوا نصف خزائن الأرض.. فما يحدث في اليمن أكبر شاهد على خيبتهم وقلة حيلتهم وهوانهم على الناس!! ومن الآن لن يشكلوا أي رقم في معادلة المنطقة!
الصورة تكتمل.. نتيجة مخزية في اليمن تؤكد عجز العربان.. ونتيجة أخزى منها في سوريا والعراق وليبيا.. حرائق هائلة في البيت العربي.. وجيوش عربية انهكتها الصراعات.. وإعصار طائفي ومذهبي.. وأرواح ودماء أرخص من التراب.. وثروات ضخمة تستنزفها مؤامرات بعضهم لبعض، وصفقات التسلح، وتفريخات الإرهاب.. وتحالفات هدامة؛ لا لشيء إلا لضرب بعضهم.. استنزفوا جل طاقاتهم في صناعة الخرائب حولهم.. كمن يدحرج كرة النار إليه، و يلف حبل المشنقة حول عنقه!
الآن سيتداعى كل شيء بشكل دراماتيكي.. والآن فقط سيؤول البيت كله للهيمنة الإسرائيلية من النيل إلى الفرات، وربما الإيرانية، أو حتى “الداعشية”.. فمن يدري!! ولن تقوم لهم قائمة، حتى يكفروا عن خطيئتهم الكبرى في اليمن.. وفضيحتهم الأخرى في خذلان فلسطين.. ويعيدوا تصويب فوهاتهم في الاتجاه الصحيح فقط، أو ليصمتوا ولا يستيقظوا.. فنوم الظالم- كما يقال- عبادة!

قد يعجبك ايضا