حين يصبح “الإعلام” جوهر المشكلة
فتحي الشرماني


مشكلتنا نحن العرب أننا أكثر تقديسا للذات وتزكية لها, وحين نمارس السياسة بهذا المرض فإننا نحولها من (فن الممكن) إلى (فن التعصب للفكرة والموقف والإيديولوجيا والإصرار على نسف كل ما عداها).
فإذا كان (الممكن) يعني أن تتكيف على الاتصال بالآخر وعدم قطع الحبال فيما بينك وبينه, وإن كان هذا الإجراء يقتضي أن تتزحزح قليلا عن خياراتك, مادامت التنازلات تخدم المشترك العام, وهو مصلحة الوطن إذا كان الأمر كذلك فإن ما هو عكس (الممكن) يجعلك تعيش أزمة نفسية تتعمق كل يوم فيك, ويجعلك تنسحب كل يوم لا إراديا إلى قناعات أكثر ما فيها غير منطقي وغير عقلاني, ولا تدري في هذه الحالة أنك قد خلطت ما هو وطني وإيجابي ومشروع بما هو غير وطني وسلبي وهدام وأناني ومغامر بالشيء الذي استطاع الوطن أن يمسك به ويحققه في مرحلة صعبة.
ومن هنا, فإنه يتعين على كل الفرقاء السياسيين والإعلاميين أن يتخذوا من هذه الأحداث الإعلامية الأخيرة محطة لإعادة قراءة ما تنتجه الذات من مواقف وأفكار ومدى اتساقها مع الضمير الوطني لأن السياسة ما جاءت إلا لخدمة الأوطان, والإعلام ينبغي أن يكون كذلك.
وكم قد كتبنا من آراء تنوه بأن الإعلام ينبغي أن يعضد حالة التوافق حتى نصل إلى عتبة المستقبل وقد أنجز الوطن كل الاستحقاقات المطلوبة للانتقال,لكن لم يقم الإعلام بهذه الوظيفة, وظل بعيدا عن مهمة صناعة الوعي بالتغيير والإسهام الإيجابي من إنجاح الوطن, وظل الإقذاع المتبادل بألفاظ ومصطلحات لها كبير التأثير في تهييج النفوس ضد بعضها واستمرار الانقسام, وبالتالي أصبح الإعلام هو المشكلة بحد ذاتها وليس فقط سبب المشكلة أو نتيجة المشكلة لأن التراشق بالألفاظ يتطور إلى التراشق بالوطن نفسه وكأنه كرة يتقاذفها اللاعبون, فحينا تقع في أيديهم وحينا تسقط.
بإمكان الإعلامي أن يكبح جماح السياسي إذا كان هذا الأخير يتبنى خيارات غير وطنية .. ولنا أن تساءل عما إذا كان هناك قاسم مشترك بين مختلف الاتجاهات الإعلامية يتمثل بدعم عملية الانتقال وإنجاح المرحلة وفقا لما نصت عليه المبادرة الخليجية ومقررات مؤتمر الحوار الوطني الشامل, لاسيما إذا كان الكل يدعي الحرص على الوطن والمصلحة العامة¿
إذا كانت الإجابة بـ(نعم) فينبغي القول: إن هذا المشترك مسؤولية والتزام وليس ادعاء ومزاجية, مثلما أن موضوعية الخبر ومهنية التحقيق والتقرير وعقلانية الرأي الصحفي, كلها مسؤولية ملقاة على عاتق الوسيلة الإعلامية, فبإمكانك أن تبغض شخصا أو طرفا كل البغض, لكن حين تعبر عن هذه الخصومة في خطاب جماهيري منطوق أو مكتوب فإنك في هذه الحالة تظل مسؤولا عن حصافة الخطاب وترشيده وتحاشي الفجور في الخصومة لأن الحرية تقتضي أن تكون صحيحا نفسيا لتمارس التحليق وتنجح في التأثير, لا أن تكون مريضا تقيس الأمور بمقياس ضيق جدا, تتحول معه إلى خصم سياسي إلى كتلة من الحقد والكراهية والاستعداد للتضحية بالوطن إذا وجدت من يشفي غليلك من الآخر.
ختاما أقول: الوطن وقيادته السياسية يحتاجان منا رص الصفوف للوقوف في وجه التحديات .. والنكوص عن هذه الغاية عصيان للمستقبل المنشود, وتخلف عن الزحف المقدس إليه.
والذي سيظل متمسكا بعصمته من الخطأ فهذا معناه أنه يريد أن يمارس وجودا ملائكيا, وهو ما لن يتحقق له في الواقع وإن أوهم نفسه بذلك, فالعودة العودة والرجوع الرجوع.
