قال الإمام علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه يُعرف الحق بالرجال ولا يعرف الرجال بالحق، اعرف الحق تعرف أهله: ولذلك الناس في اليسر والعافية سواء لكن إذا هاجت الفتن تباينوا قال تعالى ((ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم)) محمد31.
المآسي والابتلاءات والمحن التي تشهدها الأمه اليوم غربلت المواقف والأشخاص وكشفت عن الاتجاهات والولاءات.
غزة كشفت أصناف ممن يدّعون العلم لكنهم أشد حباً لليهود والنصارى، والمجرمين يسوقون باطلهم ويدافعون عن إجرامهم وينكرون على الضحايا الأبرياء ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون، فضحوا أنفسهم وكشفوا زيف دعاويهم.
العدوان على اليمن وإيران ولبنان (محور المقاومة) وغيرها من أماكن الصراعات كشفت ووضحت أن هؤلاء يعملون وفق استراتيجية وأجندات التحالف الصهيو- أمريكي لكن بمسميات إسلامية وبصورة لم تعد تخفى على أحد.
تم تغييب المرجعيات الدينية عن المشهد السياسي بكل أشكال الإقصاء والتهميش وتقديم هؤلاء كمرجعيات للفتوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
المؤسسات العلمية تم توظيفها من خلال تسليمها لا مثال هؤلاء الذين يرون ما يأمر به الحكام والأمراء هو الأولى بالاتباع لا ما أمر الله به ورسوله الأكرم صلى الله علية وآله وسلم.
وصل الحال ببعض علماء السلطة والسلطان إلى الفتوى بتحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم في مخالفة صريحة لنصوص القرآن والسُنة.
الله سبحانه وتعالى قيد طاعة أولي الأمر بطاعة الله ورسوله وهم جعلوا ما يهواه الحُكام واجبا ولو خالف أمر الله ورسوله الأعظم قال تعالى ((يايها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر)) النساء 59.
طاعة أولي الأمر مقيدة بطاعة الله ورسوله وليست مستقلة، فإذا تجاوزت طاعتهم ما أمر الله به ورسوله فلا تجب طاعتهم وهوما أكده الرسول الأعظم بقوله :(لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف) وفي حديث آخر قال:(لا طاعة لمخلوق في معصية الله).
ترك علماء السلطة تلك النصوص الواضحة الصريحة وذهب بعضهم إلى أن أجازوا للحاكم أن يفعل من المنكرات والكبائر ما يشاء ومنعوا الإنكار عليه ولوكان يفعل ذلك على ملأ من الناس واستدلوا بحديث (أطع الأمير وإن جلد ظهرك وأخذ مالك فالزمه).
من أحلوا للأمراء والحكام والملوك فعل المنكرات هم من أحلوا دماء الأبرياء في غزة والعراق واليمن ولبنان وسكتوا في أفغانستان وغيرها من الأماكن والبلدان التي تسفك فيها دماء المسلمين وتنتهك أعراضهم وحرماتهم.
عبد المحسن العبيكان أحد علماء السعودية قال: أن جهاد الدفع للعدوان لا يكون إلا عند المقدرة مع أن الجهاد فرض عين إذا هجم الكفار على بلد من بلاد المسلمين كما أفتى بذلك علماء الأمة.
العبيكان افتي بطاعة حاكم العراق المتغلب الأمريكي والمبرر عدم استطاعة مقاومته وقدم النصح لأهل العراق بعدم المقاومة والصبر ولا يقاتلوا الاحتلال لأنه يحكمهم بالديمقراطية التي تضمن لهم الحقوق ولتوقي ما هو أشر من ذلك فالديمقراطية حرام إذا حكم بها النظام السعودي لكنها حلال إذا حكم بها الاحتلال.
المتغلب اليهودي والنصراني والكافر أيا كان جنسه يجب طاعته لكن المتغلب الشيعي لا يجوز طاعته وتجب مقاومته كما يقول د. عبد العزيز الطريفي الذي يتزعم الرأي بانه لا ينكر على الإمام والحاكم ولو زنا أو لاط على الهواء مباشرة.
المتغلب الشيعي من وجهة نظره أشر من اليهودي والنصراني؛ وهناك فتوى من رئيس هيئة كبار العلماء في المملكة بوجوب التوبة على من قدم المساعدة لحزب الله في محاربته للاحتلال الصهيوني في لبنان.
هيئة كبار علماء السعودية رأت أن دفاع اليمن عن سيادته استهداف للبيت الحرام والمدينة المنورة لكن العدوان مبرر ولا غبار عليه.
يدعون إلى عدم مقاومة اليهود والنصارى المعتدين والصبر عليهم مع أن الله سبحانه وتعالى يقول ((يايها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فانه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين)) المائدة 51.
الذين يفتون بالصبر على اليهود والنصارى المعتدين وغيرهم أفتوا بعدم الإنكار على الأمراء والملوك ارتكابهم للفواحش على الهواء مباشرة، يفتون بقتال المسلمين بعضهم بعضا ويتناسون قول الله سبحانه وتعالى ((لتجدن أشد الناس عداوة للذين ءامنوا، اليهود والذين أشركوا)) وحملوا العداوة للخلاف المذهبي وجعلوه خلاف عقائد لا خلاف مذاهب فكرية.
شيخ الأزهر أحمد الطيب قال: إن الخلاف بيننا وبين أخوتنا الشيعة هو اختلاف فكر ورأي وليست فرقة دين والأمة الإسلامية حاليا في أشد الحاجة إلى الوحدة في القوة والرأي لمجابهة تحديات العصر والانتصار على أعداء الأمة).
شيخ الأزهر قدم مبادرة لإنشاء لجنة حكماء عاجلة لإطفاء الحروب في المنطقة وتغليب صوت العقل والحكمة وهي دعوة تحسب له وإن جاءت متأخرة بأكثر من خمسة عشر عاما بعد حصار وحرب وتدمير ضد اليمن ومع ذلك تعتبر بادرة جيدة.
يحسب عليه وعلى الأزهر الشريف صمته عن كل ما يحدث في غزة وما يقوم به النظام المصري من تعاون مع كيان الاحتلال الصهيوني في وفرض الحصار على الشعب الفلسطيني الذي يتعرض أبشع جرائم الإبادة والتهجير القسري.
الأزهر كمرجعية دينية كان بإمكانه توضيح الحقائق للأمتين العربية والإسلامية في كل الأحداث والحروب الإجرامية (من سُئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة) وقوله صلى الله عليه وآله (أفضل الشهداء من سُفك دمه وعُقر جواده) وقوله (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله).
الأنظمة المتصهينة ومنها الأنظمة الخليجية اعتمدت مذهبا واحدا وحاربت الأنظمة الأخرى وشنت حملات تشويه وسجنت العلماء وسخرت كل الوسائل لإقصائهم؛ والان اتجهت إلى التطبيع وسجنت بقية العلماء المعارضين من المستقلين بعضهم حكم عليه بالإعدام وبعضهم بالسجن لأنهم يعارضون توجهات تلك الأنظمة.
بعض من يدعون العلم تلقف الدعاية السوداء التي بثها النظام السعودي أن اليمن يستهدف مكة والمدينة المنورة وخرج منكرا على الشعب اليمني دفاعه عن نفسه ومتضامنا مع العدوان؛ وبعضهم سكت ولم يستبين الحق حتى الآن وتناسوا قول الحق سبحانه وتعالى ((وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين)) الحجرات 9.
المسألة لم تعد محل شبهة ولا مجال للخلاف فقد أصبحت الأنظمة تعلن ولايتها لليهود والنصارى وتنفذ مؤامراتهم دون حياء أو خجل من الله ولا من الناس ومع ذلك فمازال الصمت أساسا لواقف البعض أما المجاهرون بالولاء لليهود والنصارى فقد سقطت أقنعتهم أمام شعوبهم وأمتهم وقبل ذلك أمام الله سبحانه وتعالي ((يخادعون الله والذين ءامنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب اليم بما كانوا يكذبون)) البقرة 9؛10.
