دراسة يمنية ترصد تصاعد استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي وتحديات الإفصاح الأخلاقي

د/ هاشم السريحي

كشفت دراسة أكاديمية يمنية عن تنامٍ ملحوظ في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الأبحاث المنشورة ضمن مجلات علمية مصنفة في الربع الأول من قاعدة بيانات «سكوبس» (Scopus Q1)، خلال الفترة من 2020م إلى 2024م، مسلطة الضوء على التحديات الأخلاقية المرتبطة بالإفصاح عن استخدام هذه التقنيات ومدى الالتزام بمعايير النشر الأكاديمي الدولي.

وهدفت الدراسة، التي أعدها الباحث محمد أحمد يحيى محرم من قسم الدراسات السكانية بمركز التدريب والدراسات السكانية في جامعة صنعاء، إلى استقصاء الآفاق المستقبلية لاستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في البحث العلمي، والتحديات الأخلاقية التي تثيرها تطبيقاته في ضوء متطلبات النشر الدولي.

واعتمد الباحث المنهج الوصفي التحليلي، مستعينًا بأدوات التحليل الكمي باستخدام برنامج «SPSS»، والتحليل النوعي عبر برنامج «NVivo»، لمراجعة الأدبيات والدراسات السابقة وتحليل استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب بحث قضايا الإفصاح عن استخدامها وتوثيق الأدوات التقنية المستخدمة.

وأظهرت النتائج تصاعدًا في توظيف الذكاء الاصطناعي في الأبحاث خلال الفترة المدروسة؛ إذ بلغت نسبة الأبحاث التي استخدمت هذه التقنيات نحو 11.1 % عام 2020م، فيما أشارت النتائج إلى ارتفاعها إلى نحو 45.1 % في عام 2024م. وبلغت نسبة الاستخدام الإجمالية خلال الفترة نحو 32 %، وفقًا لأحد المؤشرات الواردة في الدراسة، بما يعكس تنامي حضور هذه التقنيات في بيئة البحث العلمي.

ولم يقتصر ما توصلت إليه الدراسة على رصد اتساع الاستخدام، بل كشف عن فجوة بين انتشار هذه التقنيات والالتزام بمتطلبات الإفصاح عنها؛ إذ أشارت النتائج إلى أن أكثر من 60 % من الدراسات لم تلتزم بتوثيق استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. ويطرح هذا المؤشر تساؤلات بشأن مدى وضوح الإجراءات التي اتبعها الباحثون، وإمكانية التحقق من دور الأدوات الذكية في إعداد الأعمال المنشورة.

وفي ما يتعلق بالنزاهة الأكاديمية، لفتت الدراسة إلى ارتباط تصاعد استخدام الذكاء الاصطناعي بتزايد الإشكاليات المتعلقة بالنزاهة العلمية والملكية الفكرية. كما برزت الحاجة إلى توضيح دور هذه الأدوات في صياغة النتائج أو مراجعة الأدبيات، خصوصًا عندما يكون تأثيرها في إنتاج المحتوى العلمي جوهريًا، بما يستدعي الإفصاح عن استخدامها وعدم الاكتفاء بالإشارة العامة إلى الاستعانة بالتقنيات الحديثة.

وحذّرت النتائج كذلك من تأثير التحيزات الخوارزمية في النزاهة الأكاديمية، مؤكدة أهمية عدم التعامل مع مخرجات الذكاء الاصطناعي باعتبارها بديلًا عن التفكير النقدي والتقييم العلمي البشري. ويعني ذلك أن الاستفادة من الأدوات التوليدية ينبغي أن تقترن بمراجعة مخرجاتها والتحقق من دقتها، مع بقاء المسؤولية النهائية عن البحث ونتائجه على عاتق الباحث.

وتشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى أن التحدي لا يكمن في انتشار الذكاء الاصطناعي داخل البحث العلمي فحسب، بل في وضع ضوابط واضحة تنظم استخدامه وتضمن الشفافية في توثيق دوره، بما يحافظ على مصداقية النتائج المنشورة وحقوق الملكية الفكرية.

وفي ضوء هذه النتائج، أكدت الدراسة أهمية تطوير أطر تربوية وتنظيمية تساعد على الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، وتعزز مهارات التفكير النقدي لدى الباحثين والطلاب. كما أشارت إلى دور مكاتب نقل المعرفة في تعزيز الصلة بين الجامعات وقطاع الصناعة، بما يسهم في توظيف الابتكارات التقنية في خدمة البحث العلمي والتنمية المستدامة، مع مراعاة الضوابط الأخلاقية ومتطلبات النشر الدولي.

وتسلط الدراسة الضوء على أهمية مواكبة التحولات التقنية في البحث العلمي مع الاهتمام بالجوانب الأخلاقية والتنظيمية المصاحبة لها، بما يساعد على الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي دون التفريط في النزاهة العلمية، ويعزز الشفافية والمسؤولية في الممارسات البحثية.

قد يعجبك ايضا