إمبراطورية “الإصلاح” في إسطنبول.. دماء اليمنيين تتحول إلى عقارات فارهة وصكوك استثمارية بمليارات الدولارات
من 14 شقة في 2013 إلى فاتورة تتجاوز 1.86 مليار دولار
الثورة/ مصطفى المنتصر
بينما يقتات المواطن اليمني على أوجاعه في طوابير الجوع، ويبحث المقاتل المخدوع في الجبهات عن ثمن رصاصة أو فتات راتب يسد رمق عائلاتهم، كانت مطابخ “حزب الإصلاح” المالية، تحت غطاء “الشرعية” المهترئة ومظلة “المجلس الرئاسي” الصامت، تهندس أكبر عملية هروب للأموال الوطنية في تاريخ البلاد. الأرقام لا تكذب، وهي اليوم تفضح قصة خيانة مكتملة الأركان: من خنادق الموت في تعز ومأرب، إلى أرقى أحياء إسطنبول وأنقرة.
ليست مجرد أرقام قاسية تُقرأ في سجلات العقارات التركية، بل هي «شهادة وفاة» موثقة لكل قيمة أخلاقية أو وطنية زعم حزب الإصلاح و مرتزقة مايسمى مجلس قيادة الرئاسي أنهما يحتكرانها عندما كان شباب تعز ومأرب يزجون إلى خطوط النار المكسوة بالطين والدم، وبينما كان الموظفون والمعلمون والأطباء في المناطق المحررة يقتاتون على الهواء بعد قطع رواتبهم لسنوات كانت قيادات الإصلاح والرئاسي —بمباركة سعودية صامتة تعقد صفقاتها في أرقى أحياء إسطنبول، تحول أموال الدعم والرواتب المنهوبة إلى عقارات وإقامات ذهبية.
بالأرقام.. تسلسل “النهب المنظم”
تكشف البيانات الإحصائية لحركة شراء العقارات في تركيا عن قفزات جنونية تزامنت بدقة مريبة مع لحظات الانكسار الوطني والانهيار الاقتصادي في اليمن. ففي عام 2013، حين كان اليمن يتلمس طريق الاستقرار، لم يتجاوز عدد الوحدات السكنية المشتراة من قبل يمنيين 14 وحدة فقط ، لكن، ومع تحول الحرب إلى “بيزنس” مربح لقيادات حزب الإصلاح المقيمة في الفنادق، انفجر المؤشر في 2017: بداية القفزة الكبرى بـ 430 عقاراً تلاه 2018: تضاعف الرقم إلى 1003 عقارات ولم يتوقف الأمر هناك بل وصل عام 2019: (ذروة الاستنزاف) وصولاً إلى 1928 عقاراً.
2020: 1443 عقاراً و في 2021: واصل ارتفاع طفيف إلى 1586 عقاراً —فيما بلغ عام 2022: 1453 عقاراً. ثم يأتي التراجع الحاد مع إعلان الهدنة (2023: 376، 2024: 267، 2025: 240، حتى أغسطس 2026: 165 عقاراً). هذا التراجع ليس دليل إفلاس، بل هو دليل إدانة: انتهت العمليات الكبرى لتهريب الأموال لأن الحرب التي كانت تولد هذه الأموال دخلت في حالة هدنة.
الإجمالي الصادم: من 2015 حتى أغسطس 2026 (وفق التقديرات والمسارات الحالية)، يرتفع العدد إلى 9336 عقاراً.
هذه الأرقام ليست مجرد صفقات تجارية، بل هي “فاتورة الدم” التي دُفعت من خزينة الدولة المنهوبة ومن المساعدات الدولية التي ابتلعتها ثقوب الحزب السوداء.
المفارقة الملعونة: رصاص للفقراء وشقق للقيادات
تتجلى وقاحة المشهد في “تعز” و”مأرب”؛ حيث يواصل الماكنة الإعلامية للحزب ضخ خطاب “الصمود” و”الشهادة” و”النفير”، بينما أبناء أولئك القادة الذين يوزعون صكوك الوطنية في القنوات، يتنعمون في شققهم بإسطنبول التي لا تقصف فيها المقار ولا تنقطع فيها الكهرباء. المعادلة أصبحت واضحة للشعب اليمني أبناء الفقراء وقود للجبهات ،وأموال الدولة وقود للاستثمارات الخارجية. بينما يوقع الجندي على قائمة “القتلى”، يوقع القائد الإصلاحي في اليوم نفسه على “عقد تمليك” لشقة فاخرة تطل على البوسفور.
الرياض، التي تسيطر بخناقها على البنك المركزي في عدن وتدعم ميزانية حكومة المرتزقة وتتحكم في المنافذ الجوية والبرية، هي الحارس الأول والأكبر لهذا النهب ، وهي التي تتشدق بمكافحة الفساد داخل أروقتها، هي من تغض الطرف عن تهريب مليارات الدولارات من اليمن إلى تركيا على أيدي حلفائها في الإصلاح والمجلس الرئاسي. إنها رعاية سعودية متعمدة للفساد اليمني؛ فالسعودية تحتاج إلى بقاء هذه القيادات الفاسدة كأدوات طيعة ومطواعة بالمال، وثمن هذه الطاعة هو أن يسرقوا كيفما شاؤوا من قوت الشعب اليمني بالإضافة إلى كونها تدفع جزءاً من الرواتب ليبقى المغرر به جبهوياً يقاتل بالوكالة عنها، بينما يستمتع قيادات المرتزقة بنهب وتهريب المخصصات إلى تركيا.
الفاتورة: 1.86 مليار دولار سرقوها من الجبهات.. فما ثمن الدم؟
تشترط السلطات التركية حالياً قيمة مسجلة للعقار لا تقل عن 200 ألف دولار للحصول على مسار الإقامة العقارية (الإقامة الذهبية) ، لو افترضنا أن 10% فقط من الـ 9336 عقاراً اشتريت بمسار الإقامة، فنحن نتحدث عن 186 مليون دولار نهبت من أوردة اليمنيين ولو كانت النسبة 50%، فالرقم يقفز إلى 930 مليون دولار ، أما الاحتمال الأعلى والأقرب للواقع —بالنظر إلى غنى قيادات الإصلاح الهاربة وطبيعة استثماراتهم— فيرفع الرقم إلى 1.86 مليار دولار.
هذا الرقم وحده كفيل بإنهاء أزمة الرواتب المقطوعة منذ سنوات في المناطق المحررة التي حرم منها اليمنيون بحجة رفضهم للانصياع للهيمنة السعودية وكفيل بإعادة تشغيل محطات الكهرباء التي انطفأت منذ 2015. كفيل بفتح مستشفيات تعز ومأرب المغلقة وإدخال أدوية السرطان والكلى ، لكن كل هذا تحول إلى إسمنت وحديد وأثاث فاخر وشقق تطل على البوسفور، لقيادات لا تعرف معنى الوطن إلا في بياناتها الإعلامية المُرسلة عبر الستلايت.
المفارقة الدموية: الرصاص للادوات.. والحوالات للقيادات
الصورة لا تحتمل أي مجاملة أو تبرير: من كان يصعد الآلاف من أبناء تعز ومأرب إلى خطوط النار الأولى بنقص الإمكانات والذخائر، هو ذاته من كان ينسق لإضافة أسماء جديدة على سجلات العقارات التركية وفي كل عام تزيد العقارات في إسطنبول، ويقل الراتب في عدن وتعز ومأرب، وتزداد قائمة القتلى والجرحى في الجبهات، ويقل عدد الموظفين المستحقين للرواتب.
