سُقوط الأقنِعة واندحار الوَهم

لقمان عبدالغني الأحمدي

اثنا عشر عاماً والزمن يدور في فلك السقوط، لم تتغيّر خلالها نبرة الأسطوانة المشروخة، ولا توقفت تروس تلك الماكينة الإعلامية الشيطانية التي نذرت نفسها لإنتاج الزيف وضخ الأباطيل على مدار الساعة.
لقد احترف أولئك المرجفون صناعة الوهم، وجنّدوا كل طاقاتهم لتزييف وعي الشعوب وتسميم العقول، في محاولة يائسة ومستميتة للنيل من سيرة ومسيرة الشرفاء، وتشويه نصاعة مواقف “رجال الله” الذين نذروا دماءهم وأرواحهم ذوداً عن حياض الوطن وسيادة التراب.
غير أن هذا العقد ونيّف لم يورث مهندسي الضلال إلا خيبة تتلوها خيبة، ولم يزد تضليلهم الرخيص إلا انكشافاً وتعرّياً أمام بصيرة شعبٍ أثبت في كل منعطف أنه عصيٌّ على التدجين أو الاستغفال.
إن النكسة الكبرى التي أصابت هؤلاء لم تكن مجرد اندحارٍ في ميادين المواجهة، بل كانت سقوطاً مدوياً في صميم البناء الأخلاقي والوجدان الشعبي؛ سقطوا يوم استبدلوا شرف الانتماء برداء النفاق الفاضح، ويوم خلعوا الحياء وتجردوا من كل المبادئ والقيم الإنسانية الجامعة.
ومع كل يومٍ تنبلج فيه شمس الحقيقة، كانت تتهاوى أقنعتهم تباعاً لتفضح ملامح قبحٍ متأصل لا تداريه المساحيق؛ أرادوا أن يرموا غيرهم بالإفك، فارتدت سهام بهتانهم إلى نحورهم، وتلطخت وجوههم بكل ألوان الخزي، بعدما اعتمدوا أرخص أساليب الدعاية وأقذر أدوات الحرب النفسية والإعلامية لتبرير الفجور في الخصومة.
ولعل أشد فصول هذه المأساة قتامةً، هو ذلك الانحدار المشين نحو مستنقع الخيانة الخالصة والارتهان المباشر لأعداء الأمة التاريخيين؛ إذ كيف يرتضي كائنٌ ينتسب لثرى هذه الأرض أن يضع نفسه، ومقدراته، ولسانه في خدمة المشروع الصهيوأمريكي، ويتحالف مع قوى التطبيع والتآمر التي تسعى جاهدةً لتفتيت وحدة الأمة، وسفك دماء أبنائها، وتدنيس مقدساتها الطاهرة، ونهب ثرواتها وموانئها وجزرها؟
لقد دخل أولئك سوق النخاسة راجلين، وباعوا كرامة التاريخ والشعب بحفنةٍ من المال المدنس، وتحولوا إلى خناجر مسمومة تبارك حصار أهلهم، وتحرّض على خنق إخوانهم، مصفقين لجرائم الغازي المحتل بكل صفاقة وتبلّد.
أما تلك الأبواق المأجورة التي تنعق ليل نهار في الفضاء الإعلامي، فقد تحولت إلى ماكينات لتسويق الإرهاب والجريمة؛ جنّدوا أنفسهم حراساً للباطل، يروّجون للزور والبهتـــــان، ويجتهدون في تخدير الضمائر لدفع البسطاء والمخدوعين نحو خنادق الموت والارتزاق دفاعاً عن عروش محتليهم. باعوا الكلمة في مزاد العمالة، ومارسوا الخداع الممنهج لتبرير سفك الدماء وتدمير الأوطان، غير مدركين أن الدماء الزاكية لا تُنسى، وأن السقوط تحت أقدام المستعمر لا يُصنع منه نصرٌ ولا مجد.
وفي قاعات الفنادق الفارهة بعواصم العدوان، يقتات هؤلاء المنبطحون على فتات الموائد، متوهمين امتلاك الحظوة والوجاهة، بينما الحقيقة الساطعة أن مشغليهم لا يرون فيهم سوى مجرد أدوات رخيصة، وملاقط قذرة تُستخدم لإشعال الحرائق ثم تُركن في زوايا الإهمال أو تُلقى في سلات المتروكات. هانوا على أنفسهم فهانوا على أسيادهم؛ مسلوبو الإرادة، منفيّون من ضمير شعوبهم، يتجرعون كؤوس الذل اليومي في غرفٍ باردة تذكّرهم في كل لحظة بعظيم خيانتهم وفداحة ما خسروه من عزة وكرامة.
إن محكمة التاريخ لا ترحم، وذاكرة الشعوب الحرة عصية على النسيان؛ فلن يُغفر لمن تاجر بدماء شعبه، ولن يجد أولئك المرجفون مهرباً من لعنة الأجيال مهما كرّروا معزوفة الأكاذيب. إن زبد الباطل مهما انتفخ زائلٌ ومندثر، وسيعلم الذين ظلموا وباعوا مقدساتهم وأوطانهم أي منقلبٍ ينقلبون، بينما ستبقى تضحيات الصادقين وسيرة الأحرار الميامين مناراتٍ سامقة في سماء الفخار والخلود.

قد يعجبك ايضا