أمريكا تحاصر حلفاءها قبل إيران

يترجم الحصار الأمريكي على إيران حالة التخبط في القرار والقدرة العسكرية الأمريكية

أزمة هرمز تهدد فرص ترامب ذاته في إكمال الفترة الرئاسية وحزبه في الانتخابات النصفية

الثورة /إبراهيم الوادعي

ترفض إيران جلسة مشاورات ثانية في إسلام آباد في ظل بقاء الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية، برغم تقارير تتحدث عن اختراق سفن إيرانية الحصار وبلوغها الموانئ الإيرانية .. تتحدث التقارير عن خمس سفن بينها ناقلات نفطية، باستثناء سفينة الشحن «توسكا» نهاية الأسبوع الماضي كان هناك تطور لافت في الحصار الأمريكي المفروض على إيران تمثل بإطلاق النار على سفينة الشحن الإيرانية « توسكا» ومن ثم القرصنة عليها عبر صعود فرق من قوات المارينز على متنها، ولعل هذا الإنجاز يكون الوحيد للحصار الأمريكي ويقف خلف هذا السبب تباهي الإدارة الأمريكية بنشر صور إطلاق النار من رشاشات متوسطة باتجاه غرفة عمل المحركات لتعطيل حركة السفينة..

وتواصل هذا الحدث اللافت بإطلاق إيران هجوما بالمسيرات تكفلت وسائل الإعلام الإيرانية بالإفصاح عنه ضد القطع العسكرية الأمريكية المرابطة في بحر عمان والعرب واطراف المحيط الهندي، قبل أن يخرج بشكل رسمي المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء ليؤكد أن الرد الإيراني على القرصنة الأمريكية بالمثل قريب ولن يتأخر.

وفي السياق أعلن التلفزيون الإيراني نقلا عن مسؤولين بأن المفاوضات مع الولايات المتحدة لاتزال بعيدة في ظل التصريحات المتناقضة والتهديدات وفرض الحصار ، قابلها ترامب بتصريحات متناقضة زادت من غموض المراقبين تجاه سلوك الرجل الذي يقول الشيء ويفعل نقيضه، ويبدو أن تداعيات ملفات أبستين تضغط وتتحكم بمسار الإدارة الأمريكية وعلى راسها ترامب .

ففي الوقت الذي تمسك فيه قواته بسفينة إيرانية تعبر ناقلات نفط إيرانية المضيق وسفن أخرى باتجاه الموانئ الإيرانية وفقا لموقع « تانكر تراكرز» « المتخصص في مراقبة الملاحة البحرية ..

لايفتأ سؤال مطروح عن جدوى الحصار الأمريكي ، فإيران بلد لديه من الحدود ما يزيد عن 8 آلاف كيلومتر تمتد على مسطحات مائية إضافة إلى دول عدة من وسط آسيا حتى غرب آسيا ، ولدى ايران موانئ بحرية غير تلك التي على الخليج وبحر عمان ، وأبرز المتعاملين تجاريا مع طهران يرتبطون معها بمسارات برية.

فعلى سبيل المثال الصين التي تهيمن على مشتروات النفط الإيراني بنسبة تصل إلى 89% ، يمكن لبكين الحصول على النفط الإيراني عبر خطوط السكة الحديدية الذي جرى افتتاحه بين البلدين في مايو 2025م ويوفر بديلاً فعالاً ومستداماً يقترب من قدرة الشحن البحري، كما أنه يختصر المسافة بين طهران وشنغهاي إلى النصف 15 يوما مقارنة بمدة النقل البحري 30 يوما.

والمتعاملون تجاريا مع ايران في زمن العقوبات بمن فيهم الصين باتوا يجاهرون بمواجهة الولايات المتحدة التي رأت في الحرب الأمريكية على إيران البلد النفطي الكبير استهدافا لأمنها الاقتصادي ، وتطويقا للحبل حول عنقها عبر خنقها في منابع الطاقة.

تدرك بكين أنها كانت ستقع في مشكلة كبيرة وتحت رحمة الولايات المتحدة وروسيا فيما لو نجحت أمريكا بإسقاط النظام وأتت بآخر موال لها على غرار ما فعلت في فنزويلا والتي فقدتها الصين كمصد آمن ومستدام للطاقة، وزادت إيران أهمية للصين بعد سقوط نظام مادوروا ..

تحرص الدول الكبرى والاقتصادات الكبيرة إلى تنويع مصادر الطاقة لضمان عدم وقوعها تحت الضغوط السياسية أو العسكرية ، ومن هنا ترى بكين صمود الجمهورية الإسلامية وعدم سقوط طهران في السلة الأمريكية هدفا ذا أو أولوية بالنسبة إليها، واعتبرت فرض الحصار على إيران عملاً خطيراً وغير مسؤول.

والأمر ينسحب أيضا على دول يفترض بها حليفة للولايات المتحدة كتركيا التي رأت في الحرب على طهران عملا متهورا تسبب في إقلاق الاقتصاد العالمي دون خطر وشيك.

ومادام الوضع جيوسيا على هذا الحال فمن يريد ترامب بحصار والأخرق..

يبدو أن الاتحاد الأوروبي هو المستهدف أكثر من إيران بهذا الحصار، فترامب الذي لم يوفر منصة لمهاجة الأوروبيين على موقفهم تجاه الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، يريد معاقبتهم وهو لا يخفي ذلك ويندفع له وتوعد القادة الأوروبيين بذلك ، ويبدوا أن فكرة الحصار تفتقت عن ذلك ..

وفقا لمؤشرات اقتصادية تعتمد أوروبا على نفط وغاز الخليج لإدارة اقتصاداتها خصوصا بعد تخليها عن المورد الروسي من النفط والغاز استجابة لطلب أمريكي وفي ذلك مفارقة ، وما يبقي الأوروبيين وشركاء آخرين بمن فيهم الصين صامدين هو نقل المملكة السعودية حصة من النفط الذي كان يشحن عبر مضيق هرمز إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر ..

وتفيد مصادر سعودية ودولية أن النفط المصدر عبر ينبع ارتفع منذ بداية العدوان على ايران من مليون و200 ألف برميل إلى ما يزيد عن سبعة ملايين برميل في اليوم تذهب لدول الاتحاد الأوربي والهند والصين ومشترين أخرين.

الإدارة الأمريكية وترامب كان يدركان جيدا أن الإيرانيين سيردون على الحصار بإغلاق مضيق هرمز، والأمر سيكون كارثيا فيما لو عادت المواجهة وأفضت تطوراتها إلى إغلاق مضيق باب المندب وميناء ينبع أيضا، سيكون الأمر وكأن الولايات المتحدة تقتل حلفاءها وليس إيران.

والولايات المتحدة تفعل ذلك عمليا بحلفائها في الخليج، نتحدث هنا عن المتضرر الثاني من حصار ترامب ، وبعيدا عن التصريحات الأمريكية الرنانة حول الفريق الاستثنائي في الخليج والأردن الذين قاتلوا دفاعا عن الأمريكيين، فهذه الدول تختنق وهي تبيع سنداتها داخل الولايات المتحدة في مسعى للبقاء والانتقام في أن واحد من إدارة ترامب التي دفعت بالوضع إلى هذا المنحى الخطير وعجزت أن تجد حلا بالنسبة إليهم، وفي اللحظة التي توهموا فيها قرب الفرج عمدت الإدارة ألأمريكية إلى حماقة أخرى غير ذات جدوى وهي فرض الحصار.

أنشأت ايران بخطوة ذكية حلقة حصار داخل الحصار الأمريكي طال حلفاء واشنطن في الخليج ، وقاعدتها العسكرية أو ما تبقى من مراكزها العسكرية واللوجستية في تلك الدول، واصبح امدادها مقصورا على الخطوط البرية والجوية التي لا تضاهي حجم وقدرة النقل البحري..

وبأكثر مما يضر بإيران يلحق الحصار الاقتصادي بالاقتصاد العالمي أذى كبيراً لا يقتصر على شحة النفط والغاز ، والأزمة تمتد إلى مجمل الصناعات المرتبطة بصناعة النفط والغاز كالبتروكيماويات والهيليوم الذي يدخل بشكل أساسي في صناعة الرقائق الاليكترونية .

والشعب الأمريكي الذي تستمر معاناته نتيجة ارتفاع أسعار الوقود وفقا لرويترز لا يزال سعر برميل برنت دون حاجز المائة دولار بقليل، والخام الأمريكي بقرب الـ95 دولارا للبرميل.

وممن يلحق الحصار بهم أضراراً حزب ترامب الحزب الجمهوري ، فعدم إنهاء الحرب على ايران والفشل الذي رافق الحرب المتهورة واستمرار أزمة مضيق هرمز ، قلص إلى حد كبير وفقا لمراكز استطلاعات الرأي الأمريكية من شعبية الحزب في مقابل صعود خصمه العنيد الحزب الديمقراطي قبيل اشهر من التجديد النصفي والانتخابات البرلمانية .

وحتى ترامب نفسه، فمن شأن حصول الحزب الديمقراطي على أغلبية مريحة في الانتخابات النصفية في نوفمبر المقبل ، توافرت الفرصة لخصومه الديمقراطيين لعزله وتلى ديفانس الرئاسة ما تبقى من الفترة الرئاسية ، وذلك بات يشكل مصدر خشية حقيقية لدى ترامب..

ولذا كان خصوم ايران بينهم الأكثر تضررا من الحصار الأمريكي منها ، إضافة إلى أن الولايات المتحدة من الصعب بشكل مستدام أن تفرض حصاراً بعيدا عن أراضيها الآلاف الأميال ،فما الذي تريده طهران وتراه مانعا للذهاب نحو وقف اطلاق نار دائم، وقد حققت الهدف الأكبر في ضرب هيبة أمريكا في المنطقة وفي نفوس حلفائه بشكل يصعب ترميمه؟!

ثمة إجابة واحدة وهو أن الجمهورية الإسلامية في إيران لا ترى فرصة أكبر من هذه لسحق الهيبة الأمريكية والتواجد الأمريكي في المنطقة، يعزز ذلك أن إيران انتقدت بشكل علاني تصريحات ترامب وقالت: إن الذهاب إلى المفاوضات يستلزم سكوت من وصفته بالأحمق، وهذه الصفة تكررت أيضا في رسال بحرية إيران إلى السفن في مضيق هرمز بأن عليهم الإنصات إلى رسائل بحرية إيران، وليس منشورات بعض الحمقى على وسائل التواصل الاجتماعي..

فرض الحصار الأمريكي بغرض جر الحلفاء إلى معركة رفضوها منذ البداية ليس خيارا فاعلا ، أو فرض ضغوط عالمية على طهران ليس مجديا في مواجهة تمثل المخاض لنظام عالمي جديد ، كل ما يتصل بالنظام القديم حتى في سجل الحقوق جرى تنحيته جانبا كما العادة عند التحولات القاسية في العالم إلى حين استقرار الوضع..

إيران كسرت الحاجز النفسي في ضرب التواجد الأمريكي بقوة، وهو أمر توافرت الرغبة له منذ يناير 2020م بشكل قوي، وفي 2026م تم كسر هذا الحاجز وتلقت القواعد الأمريكية ضربات غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، إنجاز غير مسبوق ولا ترى ايران أو محور المقاومة سببا لتأجيل إكمال هذا الهدف أو السماح للأمريكيين في المنطقة بوقت مستقطع جديد..

ما يجري حاليا هو ضغط المحور نحو إنجاز هذا الهدف بدون نار وإن تعذر فالنار ستكمل طريقها..

المواجهة قادمة حتماً.. وهي المواجهة الفاصلة التي سيخوضها المشروع الصهيوني في المنطقة بوضع يائس أملا في البقاء والتمديد .. ويخوضها محور الجهاد والمقاومة بروح فتية تتقد بالأمل والثأر وإنهاء الليل الطويل …

 

قد يعجبك ايضا