عبدالرحمن حسين العابد
في الرابع من ذي القعدة عام 1422هـ (17 يناير 2002م)، أطلق الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي من مدرسة الإمام الهادي في مران بصعدة شعاراً غيّر مسار المنطقة: «الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام». لم يكن مجرد شعار عابر، بل كان «صرخة حق في وجه الطاغوت والاستكبار»، كما وصفها السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي في كلمته بمناسبة ذكرى يوم الصرخة، يوم الثلاثاء 21 أبريل 2026م.
في كلمة امتدت لأكثر من ساعة ونصف، لم يكن السيد القائد يستذكر ماضياً فقط، بل كان يرسم خريطة طريق للمواجهة في لحظة فارقة تمر بها الأمة. بين «الهدنة الهشة» التي توشك على الانتهاء، و»المخطط الصهيوني الناعم» الذي يشتري عقارات في مكة والمدينة، و»المواقف العربية» التي تمنع التضامن مع فلسطين بشكل أسوأ مما تفعل أمريكا، وضع السيد عبدالملك المشهد كاملاً أمام الأمة: إما الصرخة، أو الاستسلام.
المحور الأول: الصرخة.. مشروع قرآني لا يستورد مواقفه
يكشف السيد القائد منذ اللحظة الأولى أن «يوم الصرخة» ليس احتفالية عابرة، بل «محطة توعوية» و»نقلة من حالة الجمود إلى مستوى الموقف الحق».
فالصرخة، في جوهرها، «حالة يقظة ووعي وانتباه وتركيز تجاه مخططات الأعداء»، وهي ليست مجرد شعارات عاطفية، بل «مشروع قرآني متكامل» يجمع بين «التوعية القرآنية والتعبئة الإيمانية والتحرك العملي».
ما يميز هذا المشروع، وفقاً للسيد القائد، هو «المصداقية في الموقف والثبات عليه في كل المراحل دون تراجع». وهنا يستحضر التاريخ: منذ انطلاق الصرخة، حيث واجه المشروع القرآني «الاعتقالات حتى امتلأت السجون، والفصل من الوظائف، والحملات الدعائية والتشويه، ثم الحروب الشاملة بكل وحشية وإجرام». لكنه لم يتراجع.
وفي لقطة تكشف عمق هذا الثبات، يكشف السيد القائد عن عرض أوروبي وصل عام 2007م: «اتركوا الشعار ونحن مستعدون أن نمكنكم من أن تكونوا شركاء في الدولة وفي كل مؤسساتها بمستوى الرُبع». كان الثمن: التخلي عن «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل». وكان الجواب، «الرفض». واستمرت الإغراءات حتى بعد تمكين 21 سبتمبر، والرفض مستمر.
أما الذروة في تأكيد قوة هذا المشروع، فكانت عندما وصل الموقف الإسرائيلي إلى «شكوى المندوب الصهيوني في مجلس الأمن»، حيث رفع الصرخة والشعار في أعلى منبر دولي. المشروع الذي حاربه النظام المحلي بتوجيه من السفارة الأمريكية وتحريض إسرائيلي بريطاني، أصبح قضية تُطرح في مجلس الأمن.
إصرار السيد القائد على أن «الموقف القرآني ليس مستورداً من آخر الدنيا ولا تبعية لأي طرف» هو رد مسبق على الافتراءات التي يرددها «الأعداء وأبواقهم» -تهمة «الوكالة لإيران». فالمشروع، بحسب السيد القائد، إسلامي أصيل تفرضه مبادئ الإسلام وقيمه.
المحور الثاني: خطورة المرحلة.. إسرائيل عدو للعرب وليست إيران
ينتقل السيد القائد من التأصيل إلى التشخيص. المرحلة التي تعيشها الأمة ليست كغيرها: «الهجمة اليهودية الصهيونية الأمريكية والإسرائيلية على أمتنا الإسلامية في بداية الألفية الثالثة انتقلت إلى مرحلة متقدمة في غاية الخطورة».
إنها «هجمة الكفر والطاغوت تحمل راية الجاهلية الأخرى وتمتلك من الإمكانات والأهداف الشيطانية ما يفوق سابقاتها».
لكن أخطر ما في هذه الهجمة، كما يوضح السيد القائد، أنها تستهدف الجميع، حتى من يظنون أن ولاءهم لأمريكا وإسرائيل سيحميهم: «فالمخطط الصهيوني يستهدف حتى البلدان التي تسعى أنظمتها وحكامها لخدمة أمريكا وإسرائيل». وأن ليس هناك «حياد» في هذه المعركة.
وهنا يضرب السيد القائد فاصلاً حاسماً: «العدو الإسرائيلي هو عدو للعرب قبل أن يكون عدواً لإيران». هذه الجملة تحسم الجدل الذي يروّج له «أعوان العدو» -أن الصراع هو «إيران ضد إسرائيل» والعرب غير معنيين. ويكشف السيد القائد أن «اليهود أنفسهم يحاولون ترسيخ أن العرب بلا قضية، وأنها مشكلة فقط بين إيران وإسرائيل».
ويمضي أبعد من ذلك ليؤكد أن الاستهداف الصهيوني للمقدسات ليس محصوراً في الأقصى، بل «مكة والمدينة وهي ضمن الأهداف وضمن المخطط الصهيوني». ومع أن «شركات صهيونية أصبحت تشتري عقارات في مكة المكرمة والمدينة المنورة»، فإن «الكثير من العرب أغبياء لا يلتفتون إلى هذه الحقيقة التي يعلنها الأعداء».
السيد القائد يوضح: إسرائيل لم تبدأ مع إيران، بل بدأت مع العرب -بفلسطين، بلبنان، بسوريا، بالعراق، باليمن، وبمصر. إيران جاءت لاحقاً كقوة ردع. ومن يراهن على أن العداء لإيران سيجعله في منأى عن العدوان الإسرائيلي يبيع وهماً.
المحور الثالث: المخططات الزائفة.. من «تغيير الشرق الأوسط» إلى شراء عقارات في الحرمين
لا يكتفي السيد القائد بوصف الخطر، بل يفصل أدواته. فالعناوين التي ترفعها أمريكا وإسرائيل وحلفاؤها -»تغيير الشرق الأوسط»، «مكافحة الإرهاب»، «الحرية»، «حقوق الإنسان»، «الديمقراطية»- هي «عناوين مخادعة وزائفة». والدليل: «إسرائيل تقتل في كل نصف ساعة امرأة فلسطينية بدعم وسلاح أمريكي، فأين حقوق الإنسان وحقوق المرأة؟»
لكن الجديد في كلمة 2026م هو تفصيل «المسار الصهيوني الناعم». هذا المسار، الذي بوابته «التطبيع»، هو في الحقيقة «عدواني ومخطط خطير على شعوب المنطقة».
ويكشف السيد القائد أن «الدول المطبعة تغفل عن أن التطبيع جزء من المخطط الصهيوني، وليس خروجاً منه ولا تراجعاً عنه».
ويضرب أمثلة صادمة على هذا التغلغل: «شركات صهيونية أصبحت تشتري عقارات في مكة المكرمة والمدينة المنورة»، و»دول خليجية فتحت المجال لليهود الصهاينة للتغلغل في كل المجالات، كما حصل في الجانب التقني والاتصالات والتجنيس»، و»العدو يحاول السيطرة على التعليم والإعلام والتحكم في محتواه والسيطرة على الاقتصاد».
هذا هو «المخطط الصهيوني» بكامل تفاصيله: ليس فقط القصف والتهجير والشرق الأوسط الجديد الذي يهيمنون عليه، بل التغلغل الناعم في أقدس بقاع الأرض وفي مفاصل الدول العربية.
السيد القائد هنا فضح تناقضاً مزدوجاً: الأنظمة التي تمنع «الموت لأمريكا» وتعتبره «تطرفاً» هي نفسها التي تفتح أبوابها لشركات صهيونية تشتري عقارات في الحرمين. فمن «المتطرف» حقاً؟
المحور الرابع: المواقف العربية.. تبعية كاملة وأسوأ من أمريكا
يصل السيد القائد إلى أخطر ما جاء في كلمته في الكلمة: موقف الأنظمة العربية والإعلام الرسمي. فبينما كانت الهجمة الصهيونية على الأمة في بداية الألفية، قوبلت بـ»مسارعة معظم الأنظمة والحكومات والزعماء لإعلان الولاء والخضوع للأعداء».
واليوم، وصل الأمر إلى أن «يُقدمون التبعية الكاملة لأمريكا وبريطانيا وإسرائيل وكأنها مسألة عادية تماماً غير مستنكرة»، بل يريدون تصويرها كأنها «مقبولة».
ويكشف السيد القائد تفاصيل صادمة: «وصل الحال في بعض البلدان الخليجية إلى معاقبة من يكتب تغريدة للتعاطف مع الشعب الفلسطيني وسجنه وتغريمه»، و»منع الأصوات المعبرة عن التضامن مع الشعب الفلسطيني في بعض البلدان الخليجية أسوأ مما في أمريكا وبريطانيا وأوروبا».
وهنا يستحضر التاريخ: «أغلب وسائل الإعلام العربية تعاملت مع انتصار حزب الله عام 2000م بالتشويه وأسوأ مستوى من التبخيس»، و»علماء السوء والمضلون المرتبطون بأنظمة عربية أصدروا فتاوى بتحريم حتى الدعاء بالنصر لحزب الله عام 2006م».
أما اليوم، فـ»الأبواق الصهيونية وجهت كل انتقادها ضد حركة حماس وكتائب القسام»، وكذلك «رغم صمود غزة العظيم، فإن تلك القوى في أوساط الأمة تتعامل معه بالتبخيس والتوهين والتشويه والتحطيم».
ووصل الأمر إلى أن «اليهود والصهاينة وأبواقهم يحاولون أن يشوهوا المواقف الحرة ضد طغيانهم» بأنها عمل «بالوكالة عن إيران».
وهنا تكمن المفارقة التي يفضحها السيد القائد: «المقاومة الفلسطينية نفسها عندما تتصدى للعدو الإسرائيلي يقولون إنهم عملاء لإيران»! فإذا كان الفلسطيني يدافع عن أرضه ومقدساته «وكيلاً لإيران»، فأين الوطنية وأين القضية؟
وسأورد شاهد من خارج ما ذكره السيد القائد: تصريح ترامب اليوم عن دول الخليج بقوله «هم حلفاء أفضل بكثير من حلف شمال الأطلسي»، هذا التصريح يؤكد ما قاله السيد القائد بأن الولاء لأمريكا لم يعد سراً، بل أعلنه العدو الأمريكي صراحة.
السيد القائد في هذا المحور وضع الأنظمة العربية أمام مرآة:
إذا كان منع التضامن مع فلسطين أسوأ مما في أمريكا، فأي «عروبة» هذه؟
وإذا كانت الفتوى بتحريم الدعاء لحزب الله تصدر من «علماء سوء مرتبطين بأنظمة عربية»، فأي «إسلام» هذا؟
المحور الخامس: مخاطر التخاذل.. الاستسلام يعني خسارة كل شيء
بعد تشخيص المرض، يصف السيد القائد النتائج. «حالة التخاذل لها مخاطر كبيرة على الأمة»، وأخطرها أن «تخاذل الأمة يمكن أعداءها من السيطرة عليها». فـ»الأعداء يريدون للأمة أن تكون تجاه أمريكا وإسرائيل كالدجاج والغنم تذبح وتقتل ولا يصدر منها رد فعل».
وهنا ينتقل السيد القائد إلى التحذير: «الخيار البديل عن المواجهة هو الاستسلام، وكلفة الاستسلام هي خسارة كل شيء: الدنيا والآخرة، الحرية والكرامة، الأوطان والأعراض، الأمن والاستقرار». إنها «حالة ارتداد في واقع الأمة خطيرة للغاية عليها».
ويكشف السيد القائد عن الأسلوب النفسي الذي يستخدمه «أعوان العدو» لترسيخ هذا التخاذل: «في أي جولة يكون للعدو الإسرائيلي بعض التقدم أو الإنجاز المحدود المليء بالجرائم والطغيان، يقدمونه وكأنه قضاء وقدر محتوم، وأنه قد حدد المصير الأبدي للأمة، وأنه لا جدوى لأي موقف إطلاقاً».
هذا هو «الاتجاه الإعلامي لدى بعض الأنظمة يعمل على زرع حالة يأس في أوساط الأمة ويحارب أي موقف قوي».
السيد القائد يفضح «الهندسة النفسية» للإعلام الرسمي: الهدف ليس مجرد نقل الأخبار، بل إقناع الأمة بأن «لا فائدة من المقاومة»، وأن «المقاومة هي السبب في جرائم العدو» وهي نفس المعادلة التي طُبقت على حزب الله في لبنان وحماس في فلسطين.
المحور السادس: وحدة الساحات.. الحل والنموذج
بعد التشخيص والتحذير، يقدم السيد القائد الحل. «تعاون محور الجهاد والمقاومة هو نموذج للأمة بكلها لتدرك أهمية التعاون فيما بينها والتحرك معاً».
وهنا يرد على التهمة المتكررة بقوله: «الجبهات التي تقف الآن وقفة واحدة في مواجهة العدو الإسرائيلي والأمريكي ليست هي التي تدعم إيران، هي تستفيد من الموقف الإيراني القوي في مواجهة عدو للجميع لا بد من مواجهته».
ويكشف السيد القائد عن سبب انزعاج الأعداء من هذا التعاون: «حنق الموالين لليهود من وحدة الساحات هو امتداد لغيظ وحنق اليهود أنفسهم، لأن اليهود انزعجوا جداً من تعاون الأمة». فاليهود، كما يوضح، «يعملون دائماً على تجزئة المعركة وعلى فصل الساحات، وعلى الانفراد بكل جبهة على حدة لمحاولة القضاء عليها».
الخلاصة التي اوصلها السيد القائد للأمة: «ليست إيران هي المشكلة، ولا جبهة اليمن، ولا جبهة لبنان، ولا سلاح حزب الله. العدو الإسرائيلي والأمريكي هو المشكلة على الأمة». ولن يستقر وضع المنطقة «إلا بهزيمة المخطط الصهيوني، وهذا ما ينبغي أن تعمل عليه».
وهنا السيد القائد يقلب الطاولة على «الموالين لليهود»: من الذي يعمل على «تجزئة الأمة»؟ من الذي يحاول «فصل الساحات»؟ إنهم اليهود أنفسهم وأعوانهم. وحدة الساحات التي يهاجمونها هي التي تزعجهم لأنها تنجح في مواجهة مخطط التجزئة.
المحور السابع: الصرخة مستمرة والتصعيد قادم
في الجزء الأخير من كلمته، ينتقل السيد القائد إلى الموقف العملي. «الهدنة القائمة حالياً توشك على النهاية، وهي هدنة هشة، واحتمال التصعيد قائم وكبير». وموقفنا واضح: «لسنا على الحياد ضد العدوان الأمريكي الإسرائيلي»، و»اتجاهنا هو للتصعيد إذا قام العدو بالتصعيد».
وحتى لو استقرت الهدنة مؤقتاً، «فلا شك أن جولات أخرى قادمة، لأنها عبارة عن هدنة لجولة صراع مستمر مع العدو». لذلك، «من الأهمية أن نتموضع للمواجهة في كل ميدان: في الميدان الإعلامي، وفي المجالات الاقتصادية والثقافية والتعليمية والسياسية».
ويختتم السيد القائد رسالته بتأكيد ما بدأ به: الصرخة لم تتراجع، المشروع القرآني لم يستسلم، والموقف لم يتبدل. ومنذ اليوم الأول، كان الثبات على الموقف «دون أي مساومة ولا تراجع».
أوصل السيد القائد رسالة مزدوجة:
للعدو يقول «التصعيد يقابل بالتصعيد»، وللأمة يقول «لا تخدعكم الهدنة، فهي مجرد استراحة محارب».
وجملة «جولات أخرى قادمة» ليست تهديداً، بل قراءة واقعية لطبيعة الصراع المستمر.
الخلاصة: دروس من كلمة يوم الصرخة 2026م
في كلمته، قدّم السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي أكثر من مجرد خطبة مناسباتية. لقد وضع خريطة متكاملة للمرحلة:
أولاً العدو:
إسرائيل وأمريكا وبريطانيا، وهدفهم «الاستباحة الكاملة» للأمة.
ثانياً الأعوان:
أنظمة عربية تقدم «التبعية الكاملة» كأمر عادي، وإعلام يشوه المقاومة، وعلماء سوء يحرمون الدعاء للمجاهدين.
ثالثاً المخطط:
لا يقتصر على القصف، بل يمتد إلى «المسار الناعم» الذي يشتري عقارات في مكة والمدينة ويتحكم في التعليم والإعلام.
رابعاً الحل:
وحدة الساحات، والتعاون مع كل من يواجه العدو، والتموضع في كل الميادين.
خامساً المستقبل:
هدنة هشة، وجولات قادمة، والتصعيد مقابل التصعيد.
ويبقى السؤال الذي تتركه الكلمة معلقاً في أذهان السامعين، بين «الصرخة» التي ترفض الاستسلام، و»الاستكانة» التي تقبل الاستباحة.
فالموت لأمريكا صرخة لا تموت، واللعنة على اليهود عز لا يُستذل.
