العيد بين التكرار والاستمرار

أحمد ماجد الجمال

 

عيد الفطر هو أول يوم يفطر فيه المسلمون بعد صيام شهر كامل يحتفلون بعده بإتمام الركن الرابع من أركان الإسلام وهو صوم رمضان ويعتبر مناسبة تحمل الكثير من المعاني فهي من أعظم الأيام وأقربها للقلوب الكبير والصغير والمشاعر التي تظهر فيه لا تشبهها أي مشاعر نابعة من ذكريات ممتدة منذ الطفولة حتى اللحظة وتختزنها الذاكرة وتطيب مع اجتماع الأسرة والأهل والأصدقاء فهم من عوامل المسرة في الحياة وبركات العمر ففي جمعهم تظهر السعادة ساطعة بين ضحكات الأبناء والأخوة والأصدقاء كفرصة لتجديد العلاقات الأسرية وتمتينها.

فقد جعل الله عز وجل أيام العيد علامة فارقة بين الأيام ولها خاصية التوهج الذي ينتشر في البيوت وبين الحارات والقرى فلا يوجد مجتمع من المجتمعات إلا وله مع العيد مشاعر ومراسم خاصة وهذه الخصوصية جاءت من قدرة تلك الأيام على غسل القلوب وتبديد الهموم والعيش في حالة أشبه بالمثالية بعيدة عن ضغوطات الحياة اليومية فالعيد يخلق الفرحة لمن لا فرحة له وأنيس من لا أنيس له.

مع أن هناك تبايناً في الفرحة بين الصغير والكبير لأن الصغير عنده الأسباب الواضحة والسهلة في الضحك والشعور بالسعادة ما يجعله مختلفا عن الكبار وهنا يمكننا أن نقف أمام هذه الحالة وهل يأتي العيد خصيصا لهذه الفئة العمرية التي لا تزال غير مدركة لمشاكل الحياة وصعوباتها؟ والإجابة في منتهى البساطة: العيد يخص الجميع لكن ارتفاع مستويات الأزمات والتحديات الحياتية أمام الكبار تجعل الكثير منهم لا يشعرون بالعيد بنفس مستوى شغف الأطفال ولا يعيشونه مثلما يجب.

فالأطفال لديهم الاستعداد المسبق للفرح قبل العيد بأيام ولعل السبب الحقيقي وراء هذه الفرحة المستترة هو معرفتهم بحصولهم على أموال (عيديات) من الأهل عند تبادل الزيارات وبذلك يكونون على موعد مع صفقة مالية بصرف النظر عن حجمها وقيمتها المهم أنها جاءت ودخلت في حوزتهم ولهم حق التصرف بها ووضع خطة لهذه المبالغ البسيطة وكيفية إنفاقها فبعضهم يفضل شراء الملابس الجديدة وآخر يفضل اقتناء دراجة هوائية أو شراء ألعاب إلكترونية وغيرها من الحاجيات التي تتناسب مع المستويات العمرية بينما الأبوان ينشغلان بتوفير الاحتياجات الضرورية من كسوة العيد ومستلزماته وخلافه الذي ينفرد بعادات وتقاليد ومصاريف تختلف عن الأيام الأخرى.

وقد يرجع ذلك الاختلاف لمتطلبات الحياة والتحولات الاجتماعية التي ترافق الإنسان عبر الزمن الذي لا يقاس بما يمر بل بما يبقى فمثلا هذه الفترة الزمنية الاستثنائية التي تمر بها بلادنا وأفراد المجتمع من محدودي الدخل وتراجعها بشكل كبير أو انعدامها لدى اكبر شريحة نتج عنها ارتفاع مستويات الفقر في الوقت الذي يزداد فيه يوماً بعد آخر متطلبات جديدة في الأعياد والمناسبات وأكثرها مبتكرة نتيجة المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسلوكية وأساليب التفكير وحتى الأماكن تغيرت ففي السابق جل ما يجتهد الإنسان لتحقيقه هو الذهاب في زيارات بسيطة للأهل والأصدقاء واستقبال ضيوف أو الذهاب إلى مدينة ألعاب ويكفيه قليل من النقود، وحالياً لا يقتنع بها سواء كانوا أطفالاً أو شباباً وحتى ربات البيوت كل ذلك ينتج عنه التوسع في دائرة النفقات الأمر الذي دفع الكثيرين لافتقاد لذة الفرح وصار عبئاً على الغالبية من أفراد المجتمع ومسألة التعامل معه بعقلانية ليست ممانعة للزمن بل للمحافظة على التوازن بين القدرات والمتطلبات وأيضا عدم الذوبان في قوالب المعلب الاجتماعي الذي تختفي فيه الخصوصية كي لا يتحول الوضع إلى مجرد نسخٍ مكررة في عالمٍ بات يحترم الصورة ويدمر المضمون وكثرت فيه معالم التكنولوجيا المظلمة التي خيمت على المشهد.. ولأن الشيء بالشيء يذكر فلا بد من ذكر الأكلات الشعبية التي اقترن وجودها في العيد وتختفي في الشهور التي تتبع المناسبة السعيدة وتتفنن الأسر في طريقة تقديم أصناف موائد الإفطار والغداء والعشاء التي تتنوع حسب المناطق، ناهيك عن أنواع متعددة من الحلويات والكعك.. الذي تفوح رائحته في الأفران والبيوت وكأنه يطلق صفارة الإنذار بانتهاء أجواء الشهر الفضيل.

فالابتعاد عن العادات والتقاليد الجيدة والصفات الحميدة التي لا تهزمها الأزمات وقسوتها من المؤكد أن يجعل الفرد ثابتاً وقوياً وتتجذر فيه الأشياء الثمينة التي لا يمكن الاستغناء عنها أو التفريط بها ومن بين هذا حزمة خاصة بأجواء العيد فلا يجوز هجرها وهي تسعى بكل تفاصيلها إلى إسعاده وإدخاله أجواء مميزة لا يمكن توفيرها أو إيجادها بمزيد من المصاريف والنفقات لأنها تهدف لمنح الجميع دون استثناء فرصة العيش بسعادة.

وبالتالي المطلوب أولا: استمرار ثقافة العيد مثل (العيدية للصغار وبعض الكبار, شراء حلويات العيد أو تحضيرها في المنزل, الذهاب في نزهة, زيارة الأهل والأقارب والأصدقاء، صلة الأرحام، التجمعات العائلية اليومية, الاحتفالات الجماعية, زيارة المرضى المنومين في المستشفيات، توزيع الهدايا بين أفراد المجتمع وخصوصاً الأطفال وإسعادهم, وأيضاً مساعدة الفقراء والمحتاجين بهذه المناسبة وإدخال الفرح والسرور عليهم) بغرض المحافظة على العادات والموروثات الاجتماعية الجميلة بالعيد لاستمرارها بين الأبناء وتناقلها إلى الأجيال القادمة.

وثانياً: بما أن العيدِ يتراوح بين فرحٍ وسرور فهو فرصة ذهبيه لتجديدِ السعادة وتعزيز العلاقات الاجتماعية وليس المبالغة في المظاهر المرهقة للجسد والنفس والمال وفرصة ممتازة ليستعيد الإنسان طاقته ونشاطه، لذا ما المانع من جعل العيد بداية لحياة مستمرة بالسعادة وتحويله إلى نقطة تحول نحو السعادة الدائمة كما يتمنى أي إنسان والدعوة للاستمرار في العيش بأجوائه والرضى بما هو متاح ودوام الصحة والعافية التي منَّ الله به على الإنسان فلكل إنسان همومه وما يضايقه بصورة مباشرة أو غير مباشرة.. ما يظنه البعض ابتلاء قد يكون رسالةً رحيمة تعيد الإنسان إلى جوهره فالحياة لا تنتهي عند هذا الحد وبالتالي يمكن القول إن العيد جاء ليطرح الأشياء السعيدة الغائبة عن أذهاننا طوال أيام السنة وليس مجرد تقليد نكرره أيام معدودة في السنة وليس ورقة في التقويم بل هو رسالة للحياة وفرصة للتجديد اذا احسن الإنسان إدارتها واستثمارها بالشكل الصحيح فكل يوم يمكن أن يكون عيداً على مدار العام اذا اختار الإنسان إن يعيشه بكامل معانيه كدعوة لبدء مرحلة جديدة وترك الأحمال المزعجة والمؤلمة وراء الظهر إكمالاً لمشروع السعادة الذي وضع العيد أسسه وثبت دعائمه.

 

باحث في وزارة المالية

قد يعجبك ايضا