رسائل الزبيدي بين الحين والآخر تعكس مضي أبوظبي في المواجهة إلى النهاية
ملف التورط مع ابستين خارج حسابات المواجهة بين الحليفين السابقين.. وكل منهما متورط الى اذنيه
تقرير / ابراهيم الوادعي
ما يستثنى من المواجهة السعودية الإماراتية في كل الملفات التي اشتعلت دفعة واحدة هو ملف التورط مع جيفري ابستين فمن الواضح أن الطرفين السعودي والإماراتي على مستوى القيادات والنخب غارق فيها إلى اذنيه، ولسان حال الطرفين « لا تعايرني ولا عايرك ….»
وماعدا هذا الملف المشين والذي كشف أجاب عن الكثير من ملفات الغموض والانبطاح للصهيونية وإعطاء الأموال الهائلة لترامب، تبقى الملفات الأخرى ميدان اشتعال ومواجهة، وبالأخص جنوب اليمن المرشح لمزيد من التصعيد باعتباره ميدانا للاشتباك دون قيود أو خطوط للنار.
على صفيح ساخن يقف الجنوب اليمني، غلياناً داخلياً يغذيه صراع إقليمي الإمارات والسعودية اللتان كانتا يوما حليفين في اليمن وغدتا عدوين لدودين فاضت بهما أنهر العداوة إلى ملفات أخرى تهدد المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
أثبتت الأزمة الخليجية الحالية، وقبلها في 2016م مع قطر أن العقلية البدوية القائمة على محو الخصم وسحقه، لاتزال تحكم العلاقات بين الدول الخليجية وتتحكم في تفكير أنظمتها داخليا وخارجيا..
الثلاثاء الماضي اندلع حريق كبير في جمارك ميناء عدن، أتي على عدد كبير من الحاويات والشاحنات المتوقفة في الجمارك، بحسب مصادر جنوبية فالحادث ليس عرضيا في ظل حالة الصدام القائم والاشتباك الحاصل بين الإمارات والسعودية وانعكاس ذلك على الأرض جنوب اليمن المحتل ..
محاولة اغتيال العميد حمدي شكري القيادي في الوية العمالقة لم يكن حادثا منفصلا أيضا عن عدد من الحوادث المتنوعة وبدا بعضها عرضيا غيبت نحو 7 من القيادات في المناطق الجنوبية .
وفي مواجهة ما تعتقده السعودية كسبا للود، أعلن السفير السعودي عن افتتاح رحلات جدة – سقطرى، وتوزيع المرتبات المتأخرة، ودعم قطاعات الكهرباء والمياه لتخفيف الانقطاعات في محاولة لامتصاص قدرة الإمارات على تثوير الشارع في الجنوب ضد سيطرتها المستجدة، ناهيك عن إعادة انعاش قطاعات كانت ترى نفسها مضطهدة في خلال الحضور الإماراتي والذي تغول بشكل كبير، في ظل غياب سعودي أو غفلة سعودية إن صح التعبير عن كثير من ملفات المنطقة، استغلتها الإمارات لتنشط وتقدم نفسها حليفا موثوقا للأمريكان والإسرائيليين وعرابا لاتفاقيات التطبيع، وهو مارآه السعوديون خطرا على مكانتهم الإقليمية وازداد هذا القلق مع سيطرة الولايات المتحدة على نفط فنزويلا، الاحتياطي الأكبر للنفط في العالم، وبالتالي فهم بحاجة إلى الإمساك بملفات المنطقة مجددا للحفاظ على موقعهم في المعسكر الأمريكي .
الإمارات وبمجرد إعلانها الخروج من جنوب اليمن واستفحال الصراع سريعا كالنار في الهشيم مع السعودية، اعتمدت على سحب مساهماتها المحدودة في دعم قطاع البنية التحتية فأغلقت محطة للطاقة الكهربائية الشمسية في شبوة، ومراكز للهلال الأحمر الإماراتي، في مسعى بقدر ما يكشف هشاشة التفكير بحجم دول، يعبر عن مسعى لإغراق السعودية في أدنى التفاصيل .. ويكشف حقيقة أن مساهمات المحتل أيا كان طرفه وشكله لا تعدو مخدرات موضعية يقوم بنزعها متى أجبر على الرحيل. ولوكان هذا الفعل قادما من تحرك شعبي لكانت النتائج في سياق التحمل، كما حصل حين رفضت القوى الجنوبية في عام 67م الشروط البريطانية لاستمرار صرف الرواتب وتقديم الدعم للخدمات الأساسية، فخرج الشعب في مسيرات حملت حينها شعار تخفيض الراتب واجب، وهي مسيرات نبعت عن حس وطني أمكن معه التغلب على المشكلات التي اختلقتها بريطانيا لمحاولة الإبقاء على سيطرتها على جنوب اليمن .
والحالة اليوم ليست مشابهة، إذ رحل محتل بضغط من محتل آخر، وبقي الشعب اليمني في جنوب البلاد المحتل يعاني الأمرين، كل ما تغير هو نقل المطالب من قصور أبوظبي التي لم تفعل شيئا إلى قصور الرياض التي لن تفعل شيئا.
رعاية السعودية مؤتمرا في حضرموت بنكهة تفتيتية تتجاوز الانفصال إلى استعادة المشروع البريطاني في الإمارات والسلطنات – حتى 67 كانت توجد 22 إمارة ومشيخة تدار من قبل البريطانيين عبر مستشارين لدى السلاطين المحظور عليهم أي تواصل خارجي إلا عبر المستشار البريطاني، يؤكد أن حضورها مجددا نابع من الرغبة بتحقيق أهدافها وهو فصل مناطق الثروة – والسيطرة المباشرة أو غير المباشرة عليها.
يشير اللواء لقمان باراس، محافظ حضرموت – في صنعاء، إلى أن مناطق الثروة بحسب الرؤية السعودية لا تقتصر على حضرموت فقط بل تمتد لتشمل المنطقة الشرقية برمتها – حضرموت والمهرة وشبوة وأجزاء من مارب والجوف – وهي رغبة قديمة تجددت في 2015م حين حاولت السيطرة بشكل مباشر على منطقة ضحية عقب ثورة 21 سبتمبر، حيث آبار النفط المكتشفة في ثمانينيات القرن الماضي وجرى دفنها دون سبب واضح .
ووفقا للواء باراس، فقد جمعت السعودية نحو 14 مكونا حضرميا غالبيتها هامشي في المؤتمر، وحضر كثير منهم بخلاف رغبتهم وخط قبائلهم المتمسك بحضرموت ضمن اليمن الكبير، خشية تجدد نزاعات الماضي.
الحاضرون وفقاً لباراس، توزعوا بين مكره ومغر بالمال، وحالة كهذه لا يمكن الوثوق بها ولن تصمد أمام تحرك وطني، خاصة وأن أبناء حضرموت متمسكون بالبقاء ضمن اليمن الكبير ويرون في ذلك مصدر أمان كبير لهم.
مشهد حضرموت لا يكتمل دون الالتفات إلى ما سمي باللقاء التشاوري الجنوبي ومؤتمر القضية الجنوبية والذي مات قبل أن يولد وفق ما يتمناه أصحابه والمتنقلين من اليد الإماراتية إلى اليد السعودية.
وفقا للإعلام السعودي فإن أبناء حضرموت ذهبوا إلى المؤتمر المزمع كممثلين لجغرافيا لا كممثلين سياسيين لأحزاب ومكونات عابرة للجغرافيا، وهو ما يؤكد حقيقة أن السعودية في أقل من 30 يوما تحولت روايتها من الوحدة إلى الانفصال وأخيرا التفتيت لليمن.
في المشهد العام بدا أن الرياض استطاعت السيطرة على تدفق المظاهرات المناوئة للتواجد السعودي إلى ساحة العروض، وهي تعتمد في ذلك على شراء الذم أو بالأصح نقل الذمة ماليا من مالية الإمارات إلى المالية السعودية واللجنة الخاصة التي اعيد تفعيلها بشكل كبير، مع عودة التدخل السعودي الشهر الماضي..
من المؤكد بحسب متابعين ومع استمرار الصدام السعودي الإماراتي، وعدم رغبة إدارة ترامب في خسارة المملكة لصالح الإمارات انطلاقا من مواردها الاقتصادية غير القابلة للمقارنة مع الإمارات والقيمة القيمية التي تمثلها من حيث وجود الأراضي المقدسة، يبدو أن الصدام ذاهب إلى مدى ابعد خاصة أن الجنوب اليمني كان المفجر لملفات أخرى وليس السبب الكلي
ومع أن المشاهد خفت إلا من حوادث متنقلة هنا وهناك، وذلك أمر منطقي بالنسبة لسلسلة الردود الانفعالية والمستعجلة، وتركيز السعودية على فك أذرعة الإمارات وقطع قنوات التواصل معها بالترغيب أو الترهيب لا فرق، فيما تعمل أبوظبي على تطوير قنوات التواصل وتأمين التحركات المقبلة وربطها مع ورقتها الرابحة عيدروس الزبيدي والذي غدا قميص عثمان في المواجهة المستعرة بين الحليفين السابقين.
لاتزال رسائل عيدروس الزبيدي بالأمس من مكانه السري في أبوظبي أو مكان آخر تشعل لهيب المواجهة الإماراتية السعودية، ولا تأذن بانتهاء أو انكماش تتجه إليه أبوظبي على غرار الدوحة في أزمة الخليج 2016م، بل تبدو أبوظبي مصرة على المضي بالمواجهة ولذلك أسباب عدة بينها مرحلة الغرور التي بلغتها أبوظبي نتيجة إقحامها في عدد من ملفات المنطقة، وقيادتها عربة التطبيع في المنطقة.
