تتموضع السعودية اليوم في المشهد اليمني جنوباً وشرقاً كلاعب يعيد ضبط موازين القوى بين الأدوات المحلية ذات النفس الطائفي، مستخدمةً استراتيجية “الإحلال والتبديل”، وشراء الذمم وتكميم الأفواه.
وفي قلب هذه الاستراتيجية، تبرز “القيادات التكفيرية” كحجر زاوية اعتمدت عليها الرياض لسحب البساط من تحت أقدام الإمارات، وصولاً إلى اللحظة الراهنة التي شهدت انحساراً دراماتيكياً لنفوذ الانتقالي المدعوم من أبو ظبي.
لطالما كانت التيارات التكفيرية في اليمن بشقيها القاعدي والداعشي وما تفرّخ عنهما، وتحديداً في الجنوب البضاعة التي تحظى برواج كبير لدى تحالف العدوان لتوظيفها واستغلالها لمواجهة الثورة في صنعاء، من بوابة الشعارات الدينية والمناطقية المقيتة. وبينما بدأت الإمارات باكراً بالاستثمار في هذا التيار عبر “ألوية العمالقة”، والأحزمة الأمنية وقوات مماثلة لها في شبوة وأخرى في أبين كانت السعودية تراقب، منتظرة اللحظة المناسبة لاستعادة “الولاء العقائدي” لهذه القيادات التي ترى في المملكة مرجعيتها الروحية والمذهبية الأولى.
“المحرمي واليافعي” رهان السعودية لتفكيك الانتقالي.
أدركت الرياض أنّ مواجهة طموحات “المجلس الانتقالي” لا يمكن أن تتمّ عبر الأحزاب التقليدية “كالإصلاح أو المؤتمر جناح عفاش” لتآكل شعبيتها في الجنوب، لذا، اتجهت نحو التيار التكفيري والقبلي، لعدة أسباب:
*الطاعة والولاء: يتبنى هذا التيار مبدأ “طاعة ولي الأمر”، وهو ما جعل الرياض تراه حليفاً أكثر استقراراً من القوى المسيّسة.
*العقيدة القتالية: تتبنى الجماعات التكفيرية القتال ضد من تعتبرهم أعداء من منطلق عقائدي ولا يحتاج المال بقدر حاجته إلى خداعه بذرائع سبّ الصحابة وعناوين التكفير، وخلال عقد من الزمن أثبتت هذه الجماعات أنها الأداة المثالية لتشكيل قوة عسكرية موازية ومحاربة أكثر من أي تشكيل آخر.
*قوات “درع الوطن”: كانت الضربة القاصمة للانتقالي هي تشكيل السعودية لقوات “درع الوطن” بقيادة شخصيات وهابية مثل “بشير المضربي”، وبتنسيق مع قادة في العمالقة مثل “أبو زرعة المحرمي”، الذين بدأوا يميلون تدريجياً نحو الكفة السعودية لضمان البقاء السياسي والمادي.
التمسك بالقيادات رغم “الميول الإماراتية”
السؤال الذي طرحه الكثيرون: لماذا تمسكت السعودية بقيادات وهابية تكفيرية كانت تُحسب على أبوظبي؟ الحقيقة أن الأولى لم تطرد هذه القيادات، بل “أعادت تدوير ولائها”. فمن خلال الدعم المالي المباشر والوظائف السياسية تحت مظلة ما يسمّى “مجلس القيادة الرئاسي”، استطاعت الرياض إقناع هذه القيادات بأنّ استمرار نفوذهم في عدن ولحج مرتبط بالرضا السعودي، وليس بالتمرد مع الانتقالي.
وهذا التحوّل جعل الانتقالي يجد نفسه محاصراً داخل عدن بقوات من جنسه كانت يوماً ما حليفة له، لكنها اليوم تتلقى أوامرها من الرياض.
السقوط المدوي.. الانتقالي من “سلطة الأمر الواقع” إلى “المطاردة”
مع حلول عام 2026م، وصلت العلاقة بين السعودية والانتقالي إلى طريق مسدود. الرياض، التي ترفض المكاسب الإماراتية جنوب وشرق اليمن بما يخدم أجندات إقليمية منافسة، على حساب ما وصفته المملكة بأمنها الوطني دفع بالأخيرة لرفع الغطاء عن قيادات المجلس في ما اعتبروه تجاوزهم “الخطوط الحمراء” في حضرموت والمهرة.
مشهد النهاية لعام 2026م:
في تطور دراماتيكي مع بداية هذا العام أعلنت هيئة ما تسمى رئاسة المجلس الانتقالي من الرياض حلّ المجلس وكافة هيئاته، في خطوة وُصفت بأنها “انتحار سياسي” تحت ضغوط سعودية هائلة لتمرير مشروع حوار لندن والرياض الجنوبي لتفر القيادات في ظروف غامضة باتجاه أبو ظبي كعيدروس الزبيدي وسط أنباء عن لحاق شلال شايع به وهو الذي كان يشغل منصب مدير أمن عدن.
ولم يتوقف الأمر عند الإقصاء السياسي، بل صدرت قرارات بإحالة بعض القيادات المحسوبة على الإمارات للتحقيق بتهم “الخيانة العظمى” والإضرار بوحدة الصف، مما حوّلهم من “قادة ميدانيين وسياسيين” إلى “فارّين ومطلوبين” للعدالة تحت مظلة الشرعية الزائفة.
في الخلاصة نستطيع القول إنّ السعودية نجحت في تقليم أظافر الإمارات خلال أسابيع، اعتماداً على الجماعات الدينية التقليدية. وبدلاً من المواجهة المباشرة، قامت بعزل الانتقالي عن حاضنته العسكرية “العمالقة” وتطويقه بقوات “درع الوطن”، لينتهي الحال بمشروع الانتقالي كـ “ظاهرة عابرة” في تاريخ الجنوب، بينما استعادت الرياض زمام المبادرة عبر حلفائها “المخلصين” للمرجعية السعودية، ولا تكاد تنفك على أبو ظبي وتدفع نحو ملاحقتها ومحاسبتها على ما أسمته جرائمها، والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يستمرّ الطلاق السعودي الإماراتي وتبدأ مشيخات أبو ظبي بمحاولات إعادة ترتيب الأوراق؟، أم أنّ طرق أبواب ابن سلمان من جديد يشفع لعيال زايد؟!
