ذكرى الشهيد القائد… حين يتحوّل الدم إلى وعي، والغياب إلى حضور دائم

هاشم عبدالجليل جحاف

 

 

في كل عام، لا تعود ذكرى استشهاد الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي- رضوان الله عليه- حدثًا عابرًا في الذاكرة الوطنية، بل محطة وعي متجددة، يُعاد عندها طرح الأسئلة الكبرى حول المعنى، والموقف، والاتجاه، والمسؤولية. إنها ذكرى لا تُستدعى للبكاء على الفقد، بل لاستحضار المشروع الذي استشهد من أجله، والنهج الذي رسمه بدمه وفكره وبصيرته.
لم يكن الشهيد القائد مجرد شخصية دينية أو سياسية في ظرف مضطرب، بل كان حالة وعي مبكر أدرك طبيعة الصراع، وشخّص مكامن الخطر، وسمّى الأشياء بأسمائها في زمنٍ كان فيه الصمت يُقدَّم بوصفه حكمة، والتنازل يُسوَّق على أنه واقعية. ومن هنا، جاءت المسيرة القرآنية كمشروع تحرر شامل، يربط الإيمان بالمسؤولية، والوعي بالموقف، والهوية بالفعل.
إن إحياء هذه الذكرى هو تجديد للعهد قبل أن يكون استعادة للحدث؛ عهدُ الثبات على النهج القرآني، والوفاء لمسيرةٍ لم تُبنَ على ردّات الفعل، بل على رؤية واضحة في مواجهة مشاريع الهيمنة والاستكبار التي تستهدف الإنسان والأرض والقرار. لقد علّم الشهيد القائد أن الصراع ليس عسكريًا فقط، بل هو صراع وعي، وأن أخطر الهزائم تبدأ حين يفقد الإنسان بوصلته الفكرية والأخلاقية.
وفي هذا السياق، يتجدد الارتباط بقيادة المسيرة، والالتفاف حول السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي، بوصفه الامتداد الطبيعي لتلك المدرسة، والحامل الأمين لأمانة المشروع القرآني. فالولاء هنا ليس شعارًا عاطفيًا، بل التزام واعٍ بخيارٍ نابع من فهمٍ عميق لطبيعة المرحلة وتعقيداتها، ومسؤولية تاريخية تجاه الأمة وقضاياها المركزية.
لقد تحوّل دم الشهيد القائد إلى طاقة وعي متدفقة، أسست لمرحلة جديدة عنوانها: البصيرة قبل السلاح، والموقف قبل الحسابات الضيقة، والكرامة قبل كل شيء. ومن رحم هذه المدرسة، نشأ جيلٌ أكثر وعيًا بحقائق الصراع، وأكثر استعدادًا لتحمل كلفة الموقف، وأكثر التصاقًا بالقيم التي لا تُقاس بميزان الربح والخسارة الآنية.
إن الذكرى لا تكتمل إلا بالفعل؛ بالفعل الذي يُجسّد الصرخة موقفًا، والمشروع القرآني ممارسة يومية في الوعي والسلوك، ويجعل من التحديات فرصًا لإعادة التموضع الصحيح، ومن الاستهداف دافعًا لمزيد من الثبات. فهي ذكرى شحذٍ للهمم، وتعميقٍ للارتباط بالله، واستنهاضٍ للمسؤولية الفردية والجماعية في معركة الكرامة والوعي.
وفي زمن تتكاثر فيه محاولات التضليل وكسر الإرادة، تظل ذكرى الشهيد القائد رسالة مفتوحة بأن هذا الطريق، مهما كان شاقًا، هو الطريق الذي يصنع المعنى، ويحفظ الهوية، ويقود في نهاية المطاف إلى وعد الله بنصرة المستضعفين. فهنا، لا يُقاس النصر بزمنه، بل بثباته، ولا تُقاس المسيرة بطولها، بل بصدقها.
رحم الله الشهيد القائد، وجعل ذكراه حيّة في الوعي والموقف، لا في الذاكرة وحدها.

قد يعجبك ايضا