من التالي في زمن القرصنة؟

محمد عبدالمؤمن الشامي

 

ما جرى في فنزويلا لا يمكن التعامل معه بوصفه تطورًا سياسيًا عابرًا أو حادثة أمنية استثنائية، بل يمثل منعطفًا خطيرًا في مسار العلاقات الدولية، يكشف بوضوح حجم التآكل الذي أصاب ما يُعرف بالنظام الدولي القائم على القواعد والقانون. العملية العسكرية الأمريكية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى الأراضي الأمريكية تشكل سابقة بالغة الخطورة، وتثير تساؤلات عميقة حول مستقبل السيادة الوطنية، وحدود استخدام القوة، ودور المؤسسات الدولية التي وُجدت أصلًا لمنع مثل هذه الانتهاكات.

من منظور القانون الدولي، فإن ما حدث يُعد انتهاكًا صريحًا لمبدأ سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو مبدأ أساسي نص عليه ميثاق الأمم المتحدة بشكل واضح. فاعتقال رئيس دولة بالقوة العسكرية خارج أي إطار قانوني دولي، ودون تفويض من مجلس الأمن أو حكم قضائي دولي، لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة سياسية أو أمنية. إن القبول بمثل هذا السلوك يفتح الباب أمام شرعنة القوة بوصفها أداة وحيدة لإدارة النظام العالمي.

الأخطر من الفعل ذاته هو السياق الذي جاء فيه. فالعملية لم تكن معزولة عن خطاب سياسي وعسكري أمريكي متصاعد، يعلن صراحة الاستعداد لاستخدام القوة “في أي وقت وأي مكان” لحماية المصالح الأمريكية. وعندما تُترجم هذه التصريحات إلى أفعال، فإن الرسالة تصبح واضحة: العالم لم يعد يُدار وفق قواعد مشتركة، بل وفق ميزان القوة، حيث تُمنح الشرعية لمن يمتلك التفوق العسكري، لا لمن يلتزم بالقانون.

إن ما جرى في فنزويلا يتجاوز شخص الرئيس مادورو، ليمس جوهر فكرة الدولة المستقلة. فالرسالة الموجهة إلى المجتمع الدولي واضحة ومقلقة في آن واحد: أي دولة تخرج عن المسار المرسوم لها قد تواجه المصير ذاته. وبهذا المعنى، فإن الحادثة ليست شأنًا فنزويليًا داخليًا، بل قضية دولية تمس جميع الدول، كبيرها وصغيرها، القوية منها والضعيفة.

ويزداد المشهد تعقيدًا في ظل غياب موقف دولي حازم. فمجلس الأمن لم يتحرك، والأمم المتحدة اكتفت بالصمت أو المواقف الرمزية، بينما التزمت عواصم كبرى سياسة الترقب. هذا الصمت يطرح تساؤلًا جوهريًا حول جدوى المؤسسات الدولية، وقدرتها على أداء الدور الذي أُنشئت من أجله. فحين تعجز هذه المؤسسات عن حماية سيادة دولة عضو فيها، فإن مصداقيتها تصبح محل شك حقيقي.

إن التغاضي عن هذه الواقعة لا يعني فقط القبول بها، بل يعني تأسيس سابقة خطيرة قد تُستخدم مستقبلًا لتبرير تدخلات مشابهة في مناطق أخرى من العالم. واليوم، ومع تصاعد التوترات الدولية وتعدد بؤر الصراع، فإن إضعاف القانون الدولي بهذه الصورة قد يقود إلى مرحلة من الفوضى يصعب احتواؤها.

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة في هذا السياق هو: مادورو اليوم… فمن التالي؟ وهو سؤال لا يحمل طابعًا دعائيًا، بل يعكس قلقًا مشروعًا لدى كثير من الدول التي تدرك أن الصمت الحالي قد لا يحميها مستقبلًا. فالتاريخ الحديث يُظهر أن التنازل عن المبادئ الأساسية لا يؤدي إلى الاستقرار، بل إلى مزيد من الاختلال وعدم اليقين.

إن رؤساء وملوك وأمراء العالم يقفون اليوم أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية. فإما الدفاع عن مبدأ سيادة الدول والقانون الدولي، أو القبول الضمني بعالم تُدار فيه العلاقات الدولية بمنطق القوة وحدها. ولا شك أن الخيار الثاني يحمل مخاطر جسيمة، ليس فقط على الدول المستهدفة، بل على الاستقرار العالمي برمته.

إن ما جرى في فنزويلا يجب أن يكون جرس إنذار للمجتمع الدولي بأسره. فإذا لم يُقابل هذا الحدث بموقف واضح وحازم، فإن الرسالة ستكون أن القوة فوق القانون، وأن الصمت الدولي كافٍ لتمرير أخطر الانتهاكات. وفي هذه الحالة، لن يكون مادورو الأخير، بل قد يتحول الاختطاف والتدخل القسري إلى أداة سياسية اعتيادية. التاريخ لا يرحم المترددين، والنظام الدولي لا يمكن أن يصمد طويلًا إذا فُرغ من قواعده. إن التحرك اليوم ليس دفاعًا عن دولة بعينها، بل دفاع عن فكرة العالم ذاته.

 

قد يعجبك ايضا