المشروع القرآني.. من صدى الكلمة إلى زئير الصواريخ

أحمد الضبيبي

 

 

في لحظةٍ تاريخية فارقة، غارقة في لجج الهوان والارتهان، انبلجت من أقاصي جبال مران بارقة أمل وصرخة حق، إعلاناً لميلاد فلسفة وجود متكاملة صاغ مداميكها الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، رضوان الله عليه.
هذا المشروع العظيم الذي تجاوز بحدوده حدود الجغرافيا، ليرسم للأمة مساراً يرفض الانصياع لسلطان الجمود، ويأبى الرضوخ لواقع القهر الذي تفرضه قوى الاستكبار العالمي الشيطان الأكبر أمريكا، وربيبتها الغدّة الصهيونية.
لم يكن انطلاق الشهيد القائد في درب المواجهة الشاقة ضد قوى الاستكبار رداً انفعاليا، بل كان استبصاراً عقلانيا متعمداً وضرورة وجودية حتمية.
فقد أدرك ببصيرته القرآنية أن هذه القوى، بطبيعتها البنيوية وجوهر منهجها هي أعداء الحياة، فهي لا تكتفي باستلاب الأرض أو نهب الثروات، بل تمتد مخالبها لتستهدف قتل الروح المعنوية، ووأد الإمكانات التنموية، وتجفيف منابع الكرامة الإنسانية في وعي الشعوب.
وعلى رأس هذا الهرم الطغياني، يتربّع الشيطان الأكبر أمريكا، التي نصبت نفسها وصياً على العالم، تشرعن بقوة القانون، أو بقانون القوة، كل أشكال الجور والتعدي على سيادة الأمم والشعوب.
ويقفُ خلفها كيان العدو الصهيوني، الذي يمثل الاستكبار في صورته الأكثر وقاحة ودموية، بوصفه مشروع إبادة جماعية معلنة وسرطاناً ينهش جسد الأمة ليجمد فيها كل حراك حيوي.
منذ اللحظة الأولى لتأسيس هذا المشروع العظيم، نقش في صميم الرؤية ومركز البوصلة هدف واحد، جليّ كنور الشمس في رابعة النهار هو تحرير القدس الشريف وكامل تراب فلسطين.
لقد جعل الشهيد القائد من فلسطين محوراً للارتكاز، ليس فقط كقضية جغرافية، بل كاختبار حقيقي لمفهوم الوجود الإيماني ونهض -رضوان الله عليه- متوشحاً بعباءة اليقين، واضعاً الشهادة نصب عينيه أمام كل مغريات الدنيا الفانية، حيث أراد بناء إنسان قرآني لا يزول، ومشروع خلود لا يفنى، يكون هو الصخرة التي تتحطم عليها أوهام الهيمنة والجحود، ليمنح معركتنا اليوم ضد قوى الاستكبار، بعداً أعمق، فهي في جوهرها معركة على مفهوم الوجود ذاته.
إن ما يشهده العالم اليوم من ثمار يانعة لهذا الغرس المبارك، ليس إلا تنزيلاً عمليا لآيات التحرير الكبرى، فالموقف اليماني الملحمي في إسناد غزة وفلسطين ولبنان، ودكّ عمق الكيان الغاصب بالصواريخ البالستية والمسيّرات المنقضة، هو الترجمة الحرفية للفكر الذي أرساه الشهيد القائد.
لقد تحول البحران الأحمر والعربي بفضل هذا الوعي السيادي، إلى محرقة كبرى لحاملات الطائرات الأمريكية وقطعها البحرية، التي تهاوت أسطورة تفوقها أمام بأس رجال تربوا في مدرسة القرآن.
إن استهداف السفن المرتبطة بالكيان الغاصب وتحويل مسارات التجارة الاستعمارية، ليس إلا برهاناً ساطعا على أن الأمة التي تملك الرؤية والمنهج، قادرة على تطويع المستحيل وكسر جبروت الطواغيت.
وفي الختام إن الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي -رضوان الله عليه- لم يترك خلفه تنظيماً سياسياً فحسب، بل ترك أمة قرآنية تعي حقيقة الصراع، وتعرف أن العزة ثمنها الصمود، وأن الكرامة لا تنال إلا بمقارعة الشيطان الأكبر وأدواته.
وسيبقى هذا المشروع منارة للأحرار، وسداً منيعاً يحمي حياض الأمة من الخطر المحدق، حتى يرتفع علم الحق فوق مآذن القدس الشريف، ويطوى زمن الانكسار إلى غير رجعة بإذن الله.

قد يعجبك ايضا