الوصاية تعود بوجهٍ أكثرَ قسوة

جميل المقرمي

 

 

ما يجري اليوم في المناطق المحتلّة من اليمن لم يعد مُجَـرّد تدهور معيشي أَو انفلات أمني عابر، بل هو نتاجُ مشروعٍ واضحٍ يقومُ على كسر الإرادَة وتجريد الإنسان اليمني من أبسطِ حقوقه وتحويل حياته اليومية إلى سلسلة من الإذلال المنظَّم تحت عناوين زائفة وواجهات مستهلكة.
إعادةُ إلغاء الرحلات الجوية وفرض المرور عبر مطار بيشة سيئ الصيت قبل الوصول إلى عدن أَو المغادرة منها ليس إجراء أمنيًّا ولا ترتيبًا فنّيًّا، كما يحاول البعض تسويقه، بل هي عودة صريحة إلى بدايات الحرب على اليمن، حين استخدمت السعوديّة سلاح الحصار والتضييق كأدَاة عقاب جماعي، قبل أن تسقطَ تلك السياسات تحت وطأة صواريخ ومسيرات الردع وتجبر على التراجع.
اليوم تُعاد الجريمة نفسها، ولكن بغطاء مختلف وباسم ما يُسمّى «السلطة الشرعية”، التي تحولت من كيان يفترض به – كما تزعم – حماية المواطن، إلى أدَاة تمرير للانتهاكات، وتبرير للإهانة، ومِظلة لوصاية خارجية لم تعد تخجل من كشف وجهها الحقيقي.
في المناطق المحتلّة: لا أمن، ولا خدمات، ولا مرتبات، ولا كرامة للمواطن.
الانفلاتُ سيدُ الموقف، والاغتيالاتُ لُغة يومية، والصراعات بين أدوات الاحتلال والنفوذ تلتهم ما تبقى من مؤسّسات الدولة، بينما المواطن وحده يدفع الثمن خوفًا وفقرًا وجوعًا وحصارًا.
بدلًا عن معالجة الانهيار وضبط الفوضى وتخفيفِ معاناة الناس، يجري توسيع دائرة العقاب، وإغلاق المنافذ، وتشديد القيود على حركة اليمنيين، كأن المطلوب هو إدارة المعاناة لا إنهاؤها، وتكريس الإذلال لا رفعه، وتحويل الجغرافيا المحتلّة إلى ساحة اختبار لسياسات القهر.
ما يحدُثُ اليومَ يُعيدُ إلى الذاكرة بداياتِ العدوان السعوديّ الأمريكي بكل تفاصيله، حين صودرت السيادة، وأُهين الإنسان، وأُدير اليمن من غُرَفٍ خارج حدوده.
والمفارقةُ أن كُـلَّ ذلك يتم من دولة تسعى إلى تهدئة الأمور، و”تنفيذ خارطة الطريق”، و”إعادة الإعمار”، و”سحب كُـلّ جحافل مرتزِقتها وأدواتها من اليمن”، بل يفترض بها احترام حُسن الجوار لا الاستمرار في فرض الوصاية، ودعم الاستقرار لا صناعة الفوضى.
إن الجرائمَ التي تُرتكَبُ بحق اليمنيين تحتَ غطاء ما تسمّيه «الشرعية” لا تسقُطُ بالتقادم، والتاريخ لا ينسى، والشعوب لا تغفِر لمن حوَّلَ حياتَها إلى معبر تفتيش، وقرارها إلى إذن عبور.
المشكلة لم تعد في تفاصيل إجراء أَو قرار، بل في مشروع كامل يرى في اليمن ساحة نفوذ لا دولة، وفي المواطن عبئًا لا إنسانًا.
وما لم تسقط هذه الوصاية ويُستعد القرارُ الوطني المستقل، فإن المناطقَ المحتلّةَ ستبقى رهينةَ الفوضى الممنهجة، والمعاناة المفتوحة، والمهانة اليومية.
هذا واقعٌ لا يحتاجُ إلى تبرير، بل إلى مواجهة. والذاكرة اليمنية حاضرة، والتاريخ يسجّل.
ومن يراهن على النسيان يجهلْ طبائعَ الشعوب التي قد تصبر طويلًا، لكنها لا تقبَلُ العيشَ مكسورةً إلى الأبد.

قد يعجبك ايضا