في سجلِّ التاريخ اليمنيِّ الخالد، يتجلى يوم “30 نوفمبر” كشاهدٍ أصيلٍ على سطوة الإرادة الوطنية وقسوة المصير الذي ينتظر كل غازٍ ومحتل ومُستبدٍّ، ليس هذا التاريخ مجرد منعطف زمني، بل هو ترجمة فعلية لفلسفة النضال والجهاد التي ترتكز على قاعدة راسخة: التحرير خيارنا الأوحد، والمُحتلُّ إلى زوال محتُوم.
شهِدت عدن الصمود في ذلك اليوم الأغرّ اندحار آخر جنديّ من قوات الاحتلال البريطاني البَغِيض، لتُسدل السَّتائر على حقبة طويلة من الوصاية والاستعمار القدريّ، التي لم تلبث أن تحطمت على صخرة المقاومة اليمنية الباسلة.
لقد كان خروجه ليس انسحابا دبلوماسيًّا، بل نكاية مجلجلة، وهزيمة مذلَّة وتجَلِّيًا صارخًا لعجز القوة العتوِّية أمام سلطان الحق وشَرارة الثأر، وقد تحطَّم الغرور الإمبراطوري على مذابح الصمود التي أوقدتها المقاومة اليمنية.
هذه الذكرى العريقة والعظيمة، ليست سلعةً تُباع وتشترى، ولا هي ميراث لكل مرتزق وأداة للمحتل الجديد في المناطق المحتلَّة، ولا يحق لأي أحد سوى الجهة التي تحمل لواء التحرير الكامل أن تحتفي بهذا المعيار الوطني الفارق.
إنَّ احتفال الغزاة وأدواتهم بذكرى خروج احتلال سابق هو بمثابة تذكرة مريعة لهم بأنهم يمضون في الدرب ذاته ويسيرون نحو المصير المحتُوم لقوات الاحتلال البريطاني.
فهذه الذكرى ترعبُهم وتؤرق مضاجعهم، لأنها تذكّرهم يقينًا بأنَّ بارقة النصر ستكون حليفة لليمن الواحد.
فالحق الأصيل لإحياء هذا العيد الوطني العظيم هو حق لمن حمل السلاح ودافع عن تراب الوطن وحياضه، ومن هم أهل لذلك الحق، هم الرجال الذين هبُّوا من صنعاء ومن كل شبر متحد، وبذلوا الدماء والأرواح، هم من لم يرهبهم بريق السلاح البريطاني بالأمس، ومَن اليوم يقف صامدًا بالبندقيَّة والصاروخ والطائرات المسيرة أمام أفظع عدوان شهدته المنطقة طوال 8 أعوام.
لقد تمكن رجال الله في صنعاء من تحويل الإرادة إلى فعل استراتيجي قاسم، يعيد صياغة جغرافيا الهيبة في المنطقة بأَسرها.
فليعلم كل معتدٍ ومحتلٍ متوهِّم أن الأرض اليمنية، من صعدة إلى البريقة، هي قبلة المنيعة، وأن رجال البأْس اليماني على وشك البدء في عملية التطهير الكبرى، لإعادة المجد المستلب، وإكمال فصول التحرير التي بدأت بخروج بريطانيا، ولن تنتهي إلا بانسحاق كل قدم دنسة من تراب اليمن الواحد.
من استطاع سحق وتدمير وهزيمة واقتلاع احتلال عاتٍ دام لقَرن كامل، هو نفسه الذي هزم تحالفًا عدوانيًا لسبع عشرة دولة على رأسه الشيطان الأكبر أمريكا، طيلة ثمانية أعوام، هو اليوم أجدر وأقدر على تحرير الجنوب الحبيب من الهيمنة السعودية والإماراتية بالحديد والنار.
إِنَّ النظرة الثاقبة لا ترى أي فروق جوهرية بين ذلك الاحتلال الغربي الغابر والاحتلال الراهن الذي تقوده السعودية والإمارات، فكلاهما يمتطي صهوة الغزو، وكلاهما يتربص بالسيادة الوطنية، وكلاهما يواجه المصير المحتُوم نفسه.
فكما ولَّى المحتل البريطاني مهزومًا ذليلًا من التراب اليمني الجنوبي بفعل المقاومة الوطنية الخالصة، فإنَّ المعتدي الخليجي سوف يجرع من الكؤُوس ذاتها.
وفي السياق ذاته إِنَّ الخروج المنتظر للاحتلال السعودي الإماراتي من الجنوب الطاهر لن يكون مجرد انسحاب، بل سيكون سحقًا وتدميرًا لأوهامهم وأطماعهم، ولن تكون نهايته مختلفة عن نهاية سلفه البريطاني؛ فالأرض التي لفظت احتلالا دام لأكثر من قرن لا يمكن أن تقبل باحتلال جديد، مهما تغيرت العناوين وتبدلت الأقنعة.
وفي الختام، إِن “30 نوفمبر” ليس إلا إِيذانًا مدويًا بأن من اعتلى عرش المقاومة في وجه أعتى قوة استعمارية، وهزم تحالفًا عدوانيًا كونيًا طيلة 8 سنوات لن يتقاعس اليوم عن اجتثاث كل رمز للوصاية الجديدة، وقد تملكت صنعاء، برجالها المجاهدين الأحرار، زمام المبادرة، حيث تتجلَّى عظمة التجربة وفتح القدرة على تغيير المعادلة بصارم العزم وحديد الإرادة، وليعلم كل محتل غاصب، أنَّ الأرض اليمنية حرم مقدَّس لا يقبل الدَّنس، وأنَّ رجال التحرير على أُهبة إقتلاع كل ورم خبيث، وإعادة الجنوب إلى حضن الوطن الأم، لتكتمل ملحمة الوحدة والسيادة الكُبرى بدم الشهداء وسنام البواسل.
إِنَّ الميعاد قريب، والغد للمجاهدين الصادقين، والسيادة حق مقدَّس لا يستساغ فيه الجدل، والغزاة عبث إلى زوال مؤكَّد.
