عندما نمتلك صرحاً رياضياً بحجم ومكانة مدينة الثورة الرياضية، ولا نستثمر طاقاته لصالح الشباب والرياضة، فإننا لا نكتفي بتسجيل مؤشر على قصر نظر إداري فحسب، لكننا نواجه حقيقة مرة تؤكد أن عقلية إدارة مؤسساتنا الرياضية ما زالت تعيش في عصور ما قبل الاحتراف، بل وتدار بذات الأدوات لعقود مضت، حيث لم تكلف الجهات الرسمية نفسها عناء البحث عن آليات حديثة ومبتكرة للاستفادة من هذه المدينة ومساحاتها الشاسعة التي لو أُحسن استثمارها لشكلت رافداً اقتصادياً مالياً ضخماً قادراً على تمويل الأنشطة والبطولات وتحقيق الاكتفاء الذاتي للقطاع الرياضي بأكمله.
لا يخفى على أحد أن المنطقة التي تحتضن مدينة الثورة الرياضية تمثل شرياناً تجارياً وحيوياً بالغة الأهمية، فقد تحولت المنطقة المحيطة بها إلى مركز تجاري نابض بالحركة والنشاط ولو أن عقلية إدارية منفتحة وذكية أدارت هذا الملف لكانت النتيجة مختلفة تماماً، حيث ستكون تلك المساحات الشاسعة للمدينة مشروعاً استثمارياً استراتيجياً متعدد الدخل وبالتأكيد فإن عائدات مثل هذه المشاريع لا تقتصر على تمويل الأنشطة الحالية لكنها ستمتد لإنشاء وتشييد منشآت جديدة في مختلف المحافظات.
مما لا شك فيه أن الاستثمار والتسويق الرياضي لم يعودا مجرد رفاهية فكرية، لكنهما الركيزة الاقتصادية الأساسية التي تبنى عليها استراتيجيات الدول المتطورة، بدءاً من الوزارات، مروراً بالاتحادات، وصولاً إلى الأندية، فلقد بحّت أصواتنا ونحن نطالب مراراً وتكراراً بضرورة استحداث قطاع للاستثمار والتسويق الرياضي في وزارة الشباب والرياضة لكن الأهم من استحداث الهياكل الورقية هو اختيار الكفاءات المؤهلة والخبراء القادرين على ترجمة هذه الرؤى إلى واقع ملموس، لأن مهام هذا القطاع الحيوي يجب أن ترتكز على بناء شراكات استراتيجية وحقيقية بين الرياضة والقطاع الخاص، على غرار ما تفعله الدول التي سبقتنا بخطوات واثقة، حيث تحولت الأندية والاتحادات هناك إلى كيانات اقتصادية تجني ملايين الدولارات عبر التسويق الذكي وتبادل المنافع، فالشركات تحقق أرباحاً طائلة والرياضيون يجدون الدعم والبيئة الملائمة للإنجاز، أما بقاؤنا في ذات المحطة نراوح مكاننا، فهو حكم ذاتي بالتأخر في وقت يقطع فيه العالم مسافات هائلة نحو المستقبل.
إننا اليوم أمام واقع مؤلم ومخزٍ لمدينة الثورة الرياضية ملاعب وصالات مهملة تحولت للأسف الشديد إلى مجرد خرائب باتت مأوى للكلاب والأغنام ونوجه هذه الرسالة إلى وزارة الشباب والرياضة بكافة قياداتها ومسؤوليها للعمل برؤية اقتصادية جديدة كلياً وتأسيس إدارات متخصصة للاستثمار والتسويق في الوزارة والاتحادات والأندية ورفدها بكوادر مؤهلة، فالاستثمار الرياضي اليوم صار علماً وفناً له أسس وقواعد.
والخطوة الأكثر أهمية هي سرعة إنجاز وإقرار قانون الرياضة لحماية الاستثمار والمستثمرين والحفاظ على حقوق جميع الأطراف، فوجود غطاء قانوني ضمانة أكيدة لتشجيع القطاع الخاص على اقتحام هذا المجال بثقة بدلاً من أن يظل الاستثمار الرياضي عندنا مجرد اجتهادات عشوائية وعمليات بيع وشراء ضيقة تشبه الدكاكين، فهل سنرى قريباً تغييراً جذرياً ينقذ مدينة الثورة الرياضية، فنشهد ملاعب رائعة ومنشآت متطورة تليق باسم اليمن؟ أم أن عجلة الزمن ستستمر في التوقف عند محطة الإهمال والخراب؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة.
