ما بعد الوجود .. حين يُهندَس الفراغ

سامي عطا

لا تسقط الإمبراطوريات كما تسقط المدن، بل كما ينفضّ ضوءٌ عن مرآة قديمة: يبقى الإطار، ويتبدّل الانعكاس. وحين يشعر المركز أنّ الهامش لم يعد يسمع صوته، لا يعلن انسحابه، بل يخترع فنّاً جديداً للحضور: أن يصنع الفراغ، ثم يسمّيه نظاماً.
هكذا يمكن قراءة ارتباك الغرب، وفي صدارته الولايات المتحدة، أمام تراجع هيمنته المطلقة على الشرق الأوسط. لم تعد واشنطن وحدها من يمسك الخيط؛ فقد صعدت قوى منافسة، الصين وروسيا، عبر شراكات الطاقة ووساطات السلام والدبلوماسية الاقتصادية، فتشكّل عالم متعدّد الأقطاب يضغط على النفوذ الغربي التقليدي. لكن المركز لا يموت بهدوء؛ إنه يعيد هندسة أدواته: الوكلاء، والوسطاء، والحدود، والذاكرة.
وهنا يصبح المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد ضرورةً لا ترفاً. في كتابه « الاستشراق »، يكشف أن المعرفة ليست بريئة، بل « تعطي سلطة، والسلطة تحتاج مزيداً من المعرفة، وهكذا في جدل مربح من المعلومات والسيطرة ». الاستشراق، عنده، « أسلوب غربي للسيطرة على الشرق وإعادة بنائه والتحكّم فيه ». ومن هنا، لا يكون « التمييع » تكتيكاً عابراً، بل امتداداً لبنية معرفية-سلطوية قديمة تُنتج « الآخر » لتُديره.
في هذا الإطار، تبرز استراتيجية « استخلاف إسرائيل » لتصبح المقاول الأمني والسياسي الأول عن الغرب في المنطقة، وتحويلها من كيان مشبوه إلى مركز قيادي إقليمي. لكن هذا المخطط يصطدم بجدار الرفض الشعبي العربي والإسلامي يتصدره محور المقاومة، الذي لا يقبل هيمنة إسرائيلية مهما تماهت معها نخب حاكمة. فكان التدرّج: « تمييع » ناعم يذيب الهوية الجمعية، ويفكك الوعي السياسي، ويشغل الشارع بالهامشي، تمهيداً لـ« الفوضى   الخلاقة ».
هنا يتدخّل الفيلسوف الأمريكي هربرت ماركوز في كتابه « الإنسان ذو البعد الواحد » ليكشف الآلية: « المنتجات تُلقّن وتتلاعب؛ إنها تعزّز وعياً زائفاً محصّناً ضد زيفه ». الإنسان ذو البعد الواحد « فقد القدرة على التمييز بين الوعي الصادق والوعي الزائف »، ويظن أن « ما هو عليه » يطابق « ما يريد أن يكونه ». هذا هو « التمييع » بعينه: ليس محواً للوعي، بل إنتاجه بشكل مشوّه يمنع التجاوز.
هذا السلوك الإمبراطوري ليس طارئاً، بل امتداد لهندسة استعمارية قديمة. فكما أرسى (سايكس – بيكو)و (وعد بلفور) نموذج التقسيم والتبعية، وزرعا كياناً وظيفياً يفصل الجسد العربي ويمزّق أواصره، أُعيد إنتاج التكتيك ذاته في غزو العراق عام 2003. وقد كتب فرانز فانون في « معذبو الأرض » أن « الاستعمار ليس آلة تفكير، ولا جسداً موهوباً بقوى عقلانية. إنه عنف في حالته الطبيعية، ولن يستسلم إلا إذا واجه عنفاً أكبر ». الاستعمار، عنده، « استخدام وقح لكل هذه الخيوط، سعيداً بإلقاء الأفارقة الذين تحالفوا بالأمس ضدّه، بعضهم على بعض ». هذا الوصف ينطبق تماماً على ما جرى في العراق، إسقاط قوة مركزية، ثم إطلاق الطائفية والتدخلات الخارجية، وتحويل الساحة إلى حقل تجارب أولي لسياسات التفتيت بالوكالة.
وإذا قارنّا المنطقة بين خمسينيات وثمانينيات القرن المنصرم، حين كان الوعي الجمعي يلتفّ حول التحرر والسيادة الوطنية، بواقعها الراهن، نرى الفاعلية التدميرية للمخططات الغربية. عبر عقود من الاستقطاب وإضعاف الأنظمة وتغذية النعرات، أُعيد توجيه بوصلة العداء. وهنا يستدعي السياق الفيلسوفة الأمريكية حنا أرندت في كتابها « عن العنف »، التي ميّزت بين القوة والعنف تمييزاً حاسماً ؛حين قالت : إن « العنف يمكن أن يدمّر القوة؛ لكنه عاجز تماماً عن خلقها ». و« القوة تحتاج دائماً إلى أعداد، بينما العنف، إلى حدّ ما، يعتمد على الأدوات ». حين يُغرق الفاعل الإقليمي في عداوات بينية، فإن ما ينهار ليس مجرد أنظمة، بل « القوة » بمعنى القدرة على الفعل المشترك أي قدرة الشعب على الفعل معاً.
ويظهر استغلال الانقسامات التاريخية جلياً. حين اشتعلت الحرب العراقية – الإيرانية في الثمانينيات، رعت القوى الغربية استنزافاً متبادلاً أهدر مئات الآلاف من الأرواح. ومع « الربيع العربي »، أُعيد استخدام الذرائع نفسها. وهنا يصبح المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي شاهداً ضرورياً؛ ففي كتابه « ماذا يريد العم سام ؟ » يشير إلى المنطق المزدوج: « عندما تتعرض حقوق المستثمرين الأمريكيين للتهديد، فعلى الديمقراطية أن ترحل، ولا بأس أن يحل محلها حكام التعذيب والقتل ». وهذا هو معنى « الفوضى الخلاقة » إنها ليست فوضى عارمة، بل فوضى مُدارة، تُنتج نظاماً جديداً من التبعية عبر تدمير النظام القديم.
اليوم، تسير المنطقة نحو مرحلة أخطر من الصراع المذهبي والهوياتي بالوكالة. فمنذ احتلال العراق وتنامي النفوذ الإيراني، مروراً بالدور التركي المتعاظم، يُدفع باتجاه صراع استنزاف كبير: تُلبس إيران عباءة المحور الشيعي عوضاً عن محور المقاومة، وتُدفع تركيا أو قوى إقليمية أخرى لتمثيل المكوّن السني.
وفي أتون هذا الصراع تنشأ قوى متعصبة، تتغذى على الاستقطاب وتستمد بقاءها منه. أما التخطيط الغربي – الإسرائيلي فيكتفي بمراقبة المشهد وجني مكاسب التفكيك الشامل.
وهنا يصبح عالم الاجتماع البريطاني الراحل زيجمونت باومان ضرورةً لفهم الآلية. في « الحداثة السائلة »، يلاحظ أن « مبادئ القوة المفضّلة لدى أصحاب السلطة هي الهروب، والمراوغة، والانسحاب، وحالتها المثالية هي اللامرئية ». السلطة السائلة لا تحتاج إلى احتلال؛ تكفيها قدرتها على « السيولة » عبر الحدود، بينما يبقى الإنسان « صلباً » في مكانه، عالقاً في محليته. « كلما أصبح الجماعي هشّاً، قابلاً للكسر، منفصلاً عن  جزيئاته، انتصرت السلطة دائماً ».
وهكذا يبدو السؤال الفلسفي أعمق من الجغرافيا ، ما الهيمنة ؟ إنها ليست دائماً حضوراً مباشراً، بل قدرة على جعل الآخر يرى نفسه من خلال عين الغريب. والفراغ، في هذا المعنى، ليس غياب سلطة، بل سلطة أخرى. إنه عدم مهندَس، ومساحة منسوجة بعناية كي يسكنها الخوف، ويتحول الإنسان إلى جار لعدوّه، وذاكرة إلى غبار، وحدود إلى جروح. ومن يهندس العدم لا يحكم الخريطة من فوقها، بل يحكمها من الشقوق التي صنعها فيها.
لذلك، لا يُقاس الخطر بعدد القواعد، بل بقدرة المركز على تحويل المنطقة إلى مرآة مكسورة، يرى فيها كل طرف عدوّه، ولا يرى المشروع الذي يكسر الجميع.

قد يعجبك ايضا