انتصار السيف والرغيف

حمدي دوبلة

بالتزامن مع النجاحات العظيمة التي تحققها المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية في تأديب العدو السعودي والتنكيل بتحشيداته تبرز على الساحة المحلية نجاحات مهمة لا تقل شانا عن تلك الإنجازات العسكرية ومن تلك الخطوات البارزة قرار وزارة الاقتصاد بحكومة صنعاء باستخلاص الدقيق الأبيض الذي أعاد الاعتبار لحبة القمح وانتقل بالدقيق إلى مرحلة جديدة من الكفاءة الغذائية والاقتصادية والصحية.
إن تعظيم قيمة الاستفادة من كل حبة قمح، وتأمين الرغيف اليومي لأبناء المجتمع لا ينفصل بحال من الأحوال عن صمود الجبهات وثبات الميدان فكلاهما معركة شرف واقتدار، وكلاهما يرسم الملامح الحقيقية لسيادة الوطن واستقلاليته. وحين تلتقي سواعد الأبطال في ثغور التحدي العسكري مع عقول التخطيط في دواوين القرار الاقتصادي، تجني الأمة ثمار الحكمة والاستقرار.
-لم يكن قرار رفع نسبة الاستخلاص مجرد تدبير أرقام أو تحسين كفاءة في الجداول والميزانيات بل جاء انتصاراً صحياً بالدرجة الأولى للجسد اليمني الذي أنهكته الأغذية المكررة والأنماط الاستهلاكية الهشة.
– إن العودة إلى المكونات الغنية للقمح والتي جُرّدت في السابق بحجة النقاء والشكل الناصع هي استعادة حقيقية للألياف والفيتامينات والمعادن الأساسية التي وُهبت لهذه النبتة المباركة.
-الدقيق الناتج عن هذه النسبة الجديدة لم يعد سحيقاً أبيضَ مفرغاً من قيمته الجوهرية بل أضحى غذاءً متكاملاً يمنح البدن طاقة يستحقها، ويحمي الأجيال من أمراض العصر الناتجة عن التفريط بالقيم الغذائية الأصيلة. إنه رغيف يتسم بالبركة، ويعيد للخبز هيبته وقيمته التي أودعها الله فيه.
-على الضفة الاقتصادية، تجسد هذه الخطوة التي تستحق الإشادة والثناء والدعم  دليلاً ناصعاً على الفكر الاستراتيجي المعافي إذ إن رفع كفاءة الاستخلاص يعني بشكل مباشر تقليل الحجم الكلي للهدر أثناء عمليات الطحن وتوفير آلاف الأطنان من القمح التي كانت تذهب هباءً أو تتسرب في مسارات غير ذات نفع استهلاكي مباشر. وفي ظل الحصار والتحديات الماليّة الخانقة، يُترجم هذا القرار إلى توفير ملموس في فاتورة الاستيراد بالعملة الصعبة، واستغلال أمثل للكتلة النقدية الوطنية.
-كل طن قمح يُستثمر بكفاءته الكاملة يقلل من الارتهان للخارج، ويعزز بناء شبكة أمان غذائية ذاتية ومستدامة. وهذا هو المعنى الحقيقي للاقتصاد المقاوم الذي لا يكتفي بانتظار الحلول من الوراء بل ينتزع كفايته من حسن إدارته لما يملك بين يديه.
-نجاح هذه السياسات الرشيدة لا يقف عند حدود القرارات الوزارية والتوجيهات الحكومية بل يعتمد بالضرورة على وعي مجتمعي متقدم يدرك ثقل هذه الخطوة وأبعادها الاستراتيجية. فالصناعة الوطنية للمخبوزات والمطاحن مطالبة اليوم بالالتزام الدقيق بهذه المعايير والارتقاء بجودة المنتج النهائي، ليلمس المواطن الفرق في صحته وعافيته وكرامة عيشه.
-الانحياز إلى القمح المكتمل الفائدة هو انحياز للسيادة العقلانية ودليل على أن الدولة حين تخطط بمسؤولية، تضع الإنسان وصحته وقوته في صدارة أولوياتها.
و يمكن القول  في ختام هذا المقال وبثقة وتفاؤل إن هذا “الانتصار للدقيق الأبيض” يعد بجد عنوانا لمرحلة جديدة من الإرادة الوطنية التي تُحسن استغلال مقدراتها وتقدم القدوة في الإدارة والترشيد. فالرغيف الذي يخرج من أفراننا اليوم بات يحمل طعم الكرامة ونكهة العافية، معلناً أن اليمن الذي يسطر الملاحم في معارك الدفاع عن شرفه وسيادته، قادرٌ في الوقت ذاته على خوض معارك التنمية والبناء بكفاءة واقتدار.

قد يعجبك ايضا