مركز نداء الكرامة يوثق 75,197 انتهاكاً في المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة خلال عقد
عقد من الانتهاك في الجنوب المحتل
تتجاوز أهمية التوثيق الذي أعلنه مركز نداء الكرامة حدود الإحصاء. فهو يجمع في وثيقة واحدة عقداً كاملاً من الانتهاكات التي جرت في المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة، ويحوّل الشهادات المتفرقة والحوادث المعزولة إلى صورة إجمالية تُظهر الاتجاه العام: قتل منظم، واختطاف واسع، واعتداء على النساء، واقتحام للبيوت، وغياب شبه كامل لأي مساءلة.
الثورة / مصطفى المنتصر
وفي توقيت يتزايد فيه الحديث عن مايسمى “الشرعية” و”الأمن” و”الاستقرار” في هذه المحافظات، تكتسب الأرقام أهميتها لأنها تقدّم جواباً مختلفاً: الاستقرار المعلن لم يُترجم إلى أمان فعلي للمواطن، والمعادلة القائمة تدفع الناس ثمن الوصاية من حياتهم وحريتهم وكرامتهم.
بلغ إجمالي الانتهاكات الموثقة 75,197 انتهاكاً خلال عقد. وتوزعت الحصيلة على عمليات اغتيال بلغت 2,341 عملية، أسفرت عن تصفية 1,277 شخصاً. وسُجّلت 162 عملية تفجير أوقعت 958 قتيلاً و1,043 جريحاً. وقُتل 1,787 مدنياً في الاشتباكات وهجمات المليشيات. ووُثّقت 29,478 حالة اختطاف واعتقال وإخفاء قسري، و1,562 انتهاكاً بحق النساء من بينها 425 عملية اغتصاب، إضافة إلى 815 عملية اقتحام لمنازل المواطنين أسفرت عن مقتل 90 شخصاً.
قراءة تحليلية في الأرقام
تشير حصيلة الاغتيال إلى أن كل عملية تقريباً أدت إلى مقتل شخص ونصف في المتوسط، وهو ما يعني أن القتل المنظم تحوّل إلى وسيلة لإسكات الأصوات المعارضة وتصفية الخصومات وبث الرعب في المجتمع. ومن يقرأ قائمة الضحايا يجد فيها ناشطين وإعلاميين وقيادات اجتماعية ورجال دين ومواطنين عاديين، فالهدف لم يكن الفعل العسكري المباشر بقدر ما كان صناعة مناخ من الخوف يمنع أي تحرك مستقل.
أما التفجيرات، فقد أوقعت آلاف الضحايا بين قتيل وجريح، وتتركز بطبيعتها في الأسواق والشوارع والمرافق المزدحمة، ما يعني أن المدنيين هم الضحية الأولى لأي صراع يُدار بهذه الوسائل. ويعكس تكرارها غياب الأمن الحقيقي وعجز الأجهزة عن منع الجريمة أو كشف المتورطين فيها.
ويمثل بند الاختطاف والإخفاء القسري أكبر أبواب الحصيلة وأكثرها أثراً على الأسر والمجتمع ، فالمختطف لا يعرف مكانه، ولا تسمح لأسرته بزيارته، ولا تعلن تهمته، ولا يمثل أمام قاضٍ. وبين الحالات الموثقة تنتشر حكايات أمهات يبحثن عن أبنائهن بين السجون والمقرات، وأطفال كبروا دون أب، وبيوت تُركت أبوابها مفتوحة انتظاراً لعودة لا تأتي. وهذا النمط يخالف أبسط قواعد القانون الإنساني، ويكشف أن الاعتقال تحوّل إلى أداة للضغط والابتزاز والسيطرة، لا لتحقيق العدالة.
وتكشف الأرقام المتعلقة بالنساء أن المرأة كانت من أكثر الفئات تضرراً، وأن الاغتصاب الموثق لا يمثل إلا الحد الأدنى للواقع، لأن كثيراً من الحالات لا يُبلَّغ عنها في مجتمع يخشى الوصم والانتقام، فتبقى بلا توثيق أو محاسبة. أما اقتحام المنازل، فيعني في الثقافة اليمنية انتهاك الستر والحماية والكرامة، ومقتل 90 شخصاً داخل بيوتهم يترك أثراً نفسياً يمتد لسنوات في الأطفال والنساء وكبار السن.
المسؤولية وتوزيع الأدوار
لا ينسب التوثيق كل حالة إلى جهة بعينها، لكنه يشير في عرضه العام إلى أن جزءاً من الانتهاكات نفذته مليشيات تابعة للتشكيلات المسلحة الموالية للرياض. ومن هنا يمكن قراءة المسؤولية عبر ثلاث طبقات متداخلة: الطبقة الميدانية، وتضم المليشيات والجماعات المسلحة التي نفذت الاغتيال والاختطاف والاقتحام، وهي المسؤولة المباشرة عن الفعل. والطبقة القيادية والسياسية، وتضم القيادات التي تمنح الغطاء وتغض الطرف وتوظف هذه التشكيلات في الصراع على النفوذ والموارد. والطبقة الخارجية، وهي الجهة التي تمول وتدير وتحمي هذه المنظومة وتتحكم في قراراتها الكبرى، وتتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية عن النتائج، وهي هنا السعودية.
ويزداد وضوح هذا التوزيع حين نلاحظ أن الشكاوى تتكرر دون محاسبة، وأن المتورطين ينتقلون من موقع إلى آخر دون مساءلة، وأن القرار الأمني يُدار من خارج الإرادة الوطنية.
الإفلات من العقاب بوصفه قاعدة
أخطر ما في هذه الحصيلة ليس الأرقام وحدها، بل ما تكشفه عن غياب المحاسبة. فكثرة الجرائم مع ندرة المحاكمات تعني أن هناك نظاماً يضمن الإفلات ويحمي الجناة ويحرم الضحايا من حقهم في الإنصاف. وحين تستمر الجريمة دون عقاب، تتحول إلى ممارسة مقبولة في نظر من يرتكبها، ويصبح الخوف هو القانون الفعلي في المجتمع.
ويزيد من خطورة الإفلات أن بعض الأطراف التي ارتكبت هذه الانتهاكات تحظى بالدعم والتمويل والحماية من جهات إقليمية، ما يجعل المساءلة الداخلية شبه مستحيلة، ويستدعي تحركاً حقوقياً ودولياً جاداً.
الاقتصاد والتمويل وعلاقتهما بالانتهاك
لا يمكن فهم هذه الحصيلة بمعزل عن الاقتصاد السياسي للحرب. فالمليشيات التي تمارس القمع تحتاج إلى رواتب وسلاح وحماية، والمصادر التي تغذيها تشمل الجبايات والمنافذ والموارد العامة. وفي المقابل يعاني المواطن انقطاع الرواتب والكهرباء والخدمات، بينما تُنفق مبالغ كبيرة على العلاقات العامة في العواصم الغربية، وعلى استثمارات عقارية في الخارج كما وثّقت تقارير سابقة. وهكذا يصبح المال العام الذي يُفترض أن يحمي الناس وسيلةً لتمويل الأدوات التي تنتهكهم، ويصبح التمويل جزءاً من آلية الانتهاك نفسها.
الأثر الاجتماعي والنفسي
تتجاوز آثار هذه الانتهاكات الضحايا المباشرين إلى المجتمع كله ، فالاختطاف والقتل والهجرة القسرية تفكك الأسر، وتتآكل الثقة بين المواطنين والمؤسسات وبين أفراد المجتمع أنفسهم، وتترك صدمة جماعية تنعكس على الأطفال والنساء وكبار السن وتستقر في الذاكرة الجمعية ، كما تدفع الخوف من الملاحقة إلى هجرة العقول والكفاءات، فيفرغ المجتمع من قدراته، وينتشر الصمت والخوف حتى يضعف قدرة الناس على المطالبة بحقوقهم.
المطالب والتوصيات
يطالب هذا التقرير بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة تتولى التحقيق في الاغتيالات والتفجيرات والاختطافات والإخفاء القسري والاعتداءات على النساء واقتحام المنازل ، كما يطالب بإعلان قوائم رسمية بالمختطفين والمخفيين قسرياً وتحديد أماكن احتجازهم، والإفراج عمن لا تثبت عليهم التهم، ومحاكمة من تثبت عليهم.
ويدعو التقرير إلى حماية الضحايا والشهود، وتوفير آليات آمنة وسرية للإبلاغ عن الجرائم، ولا سيما الاعتداءات الجنسية. ويطالب بإلغاء الاقتحامات غير القانونية للمنازل، وإلزام الأجهزة الأمنية بأوامر قضائية موثقة، ووقف تمويل المليشيات من الموارد العامة والجبايات، وإخضاع كل التشكيلات المسلحة لسلطة القانون.
ويرى التقرير أن تفعيل المسار الحقوقي الدولي ضرورة، عبر تقديم الملفات الموثقة إلى آليات الأمم المتحدة والمحاكم والمنظمات المعنية. ويختم بالمطالبة بإنهاء الوصاية الخارجية على القرار الأمني والعسكري والمالي في المحافظات الجنوبية والشرقية، وتمكين أبناء هذه المحافظات من إدارة شؤونهم عبر مؤسسات وطنية مستقلة.
خاتمة
تكشف حصيلة 75,197 انتهاكاً عن عقد كامل من المعاناة التي لم تُعالج، وعن منظومة قائمة على القمع والإفلات من العقاب. وإذا كانت الأرقام تقول إن الجنوب دفع ثمناً باهظاً، فإن السؤال الأهم هو: إلى متى؟ ومن سيحاسب؟
