تحركات حكومية لتطبيع الأوضاع ومشاريع بمليارات الريالات لتوسيع الخدمات في المناطق المحررة بتعز

الثورة / قضايا وناس

لم تعد استعادة الاستقرار في المناطق المحررة بمحافظة تعز تقتصر على تثبيت الوضع الأمني، بل باتت ترتبط بقدرة المؤسسات الحكومية على استعادة دورها، وضمان استمرار الخدمات الأساسية، ومعالجة الاختلالات الإدارية، وتلبية احتياجات المواطنين، بالتوازي مع تحريك عجلة التنمية وإعادة تأهيل البنية التحتية.

وفي هذا الاتجاه، تتكثف التحركات الحكومية والمحلية لوضع أسس مرحلة جديدة من العمل الخدمي والتنموي، تتقدم فيها أولويات المواطنين واحتياجاتهم اليومية، من المياه والصحة والتعليم والطرق إلى الكهرباء والتمكين الاقتصادي.

وتعكس التحركات الجارية توجها نحو التعامل مع متطلبات المناطق المحررة باعتبارها مسارا متكاملا، يبدأ بتشخيص الاحتياجات على أرض الواقع، ويمر بتنظيم عمل المؤسسات وتحديد مسؤولياتها، وصولا إلى تنفيذ المشاريع التنموية وتوسيع الشراكة المجتمعية، بما يسهم في تطبيع الأوضاع وتهيئة الظروف لاستعادة الحياة العامة في المديريات والمناطق المستهدفة.

من تشخيص الاحتياجات إلى تعزيز حضور المؤسسات

في هذا السياق، جاءت زيارة نائب رئيس الوزراء وزير الإدارة والتنمية المحلية محمد المداني، ومعه القائم بأعمال مدير مكتب رئاسة الوزراء فهد العزي، إلى محافظة تعز، للاطلاع على أوضاع المناطق المحررة واحتياجاتها الأساسية ومستوى الخدمات المقدمة فيها، ومناقشة الأولويات الملحة مع قيادة السلطة المحلية والمكاتب التنفيذية وممثلي الجهات الحكومية.

وتجاوزت الزيارة الجانب التقييمي إلى بحث متطلبات المرحلة المقبلة، من خلال استعراض ما أُنجز في المديريات المحررة، وتحديد الاحتياجات التي تتطلب تدخلا حكوميا ومحليا، ومناقشة سبل تطوير الأداء المؤسسي والخدمي وتحسين آليات العمل الميداني.

وأكد المداني أن التحرك يأتي استجابة لتوجيهات القيادة الثورية والسياسية، لتلمس هموم المواطنين وضمان استمرار تقديم الخدمات، مشددا على إسناد الحكومة لجهود السلطة المحلية في البناء والتطوير وفقا للأولويات الضرورية.

وتبرز أهمية هذا المسار في أن تطبيع الأوضاع يتطلب أكثر من توفير الخدمات بصورة مؤقتة؛ إذ يستدعي انتظام عمل المكاتب التنفيذية، وتكامل أدوار الجهات المركزية والمحلية، وتحديد المسؤوليات والاحتياجات بدقة، بما يساعد على معالجة المشكلات القائمة وتوجيه الإمكانات المتاحة نحو القطاعات الأكثر ارتباطا بحياة المواطنين.

مشاريع تنموية لردم فجوات الخدمات وتحريك الاقتصاد المحلي

يمثل الجانب التنموي أحد أبرز مسارات التحرك الجاري في المحافظة، مع توجه نحو توسيع المشاريع التي تستهدف البنية التحتية والخدمات الأساسية، وربطها باحتياجات المديريات والأرياف، بدلا من حصر التدخلات في معالجة المشكلات الإدارية والخدمية المباشر.

وفي هذا الإطار، شهدت تعز افتتاح مشاريع تنموية وخدمية بتكلفة تزيد على خمسة مليارات ريال، ووضع حجر الأساس لمشاريع أخرى بتكلفة ثلاثة مليارات و424 مليون ريال، تشمل قطاعات الزراعة والطرق والمياه والصحة والتعليم وغيرها. كما أُعلن عن افتتاح ووضع حجر الأساس لـ235 مشروعا ومبادرة مجتمعية بتكلفة تتجاوز ثمانية مليارات و900 مليون ريال.

وتتوزع هذه المشاريع على مجالات خدمية واقتصادية، تشمل الطرق والصحة والمياه والكهرباء، إلى جانب الزراعة والصناعات التحويلية والتمكين الاقتصادي.

ويعكس هذا التنوع توجها للجمع بين تحسين الخدمات الضرورية ودعم الأنشطة الإنتاجية التي يمكن أن تسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي وتوسيع فرص التنمية في المناطق المستهدفة.

وتكتسب الشراكة المجتمعية أهمية خاصة في هذا المسار، إذ تستند المشاريع إلى مساهمات من السلطة المحلية ووحدة التدخلات المركزية التنموية الطارئة والمجتمع، في التخطيط والتنفيذ والتمويل. ومن شأن هذا النهج، إذا اقترن بتحديد واضح للأولويات ومتابعة التنفيذ، أن يوسع نطاق المبادرات المحلية ويعزز مشاركة أبناء المديريات في معالجة احتياجات مناطقهم.

وفي هذا الاتجاه، أكد محافظ تعز أحمد المساوى أن المحافظة مقبلة على خارطة توسعية من المشاريع بمشاركة جهات مركزية ومحلية، مشددا على أهمية تمكين الجمعيات التعاونية في المديريات والأرياف وتعزيز الجهد المجتمعي لدفع عجلة التنمية وتلبية الاحتياجات الضرورية.

وتتجاوز أهمية هذه المشاريع أرقام تكلفتها وعددها، إلى طبيعة القطاعات التي تستهدفها ومدى انعكاسها على الحياة اليومية للسكان؛ فالطرق ترتبط بتسهيل التنقل والوصول إلى الخدمات، والمياه والصحة والتعليم تمثل احتياجات مباشرة، فيما يرتبط دعم الزراعة والصناعات التحويلية والتمكين الاقتصادي بتوسيع النشاط الإنتاجي وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على تلبية جانب من احتياجاتها.

استمرارية الخدمات

إلى جانب المشاريع التنموية، يبرز انتظام الخدمات العامة بوصفه أحد الاختبارات الأساسية لنجاح جهود تطبيع الأوضاع، خصوصا في المناطق التي تتطلب ترتيبات إدارية ومؤسسية لضمان استمرار عمل المرافق الحكومية وعدم تعطل مصالح المواطنين.

ومن هذا المنطلق، تتجه الجهود الحكومية إلى إعداد آليات تنفيذية تنظم عمل المؤسسات وتحدد مسؤوليات الجهات المعنية، وهو ما تجسد في مناقشة اجتماع موسع بمحافظة تعز، برئاسة نائب وزير الخدمة المدنية والتطوير الإداري أنس سفيان، المصفوفات التنفيذية التفصيلية للخطة الشاملة لاستمرارية الخدمات العامة.

وتستهدف الخطة ضمان انتظام عمل مؤسسات الدولة وحماية مرافقها ومواردها وكوادرها البشرية، مع اهتمام خاص بالمديريات التي أُعلن تحريرها مؤخرا، والتهيئة لمتطلبات حماية المؤسسات واستمرار الخدمات في مدينة تعز. كما تتضمن توزيع الأدوار والمسؤوليات بين الوزارات والجهات المركزية وفروعها ومكاتبها ومؤسساتها في المحافظة، وتحديد الأنشطة والإجراءات والمخرجات ومؤشرات قياس الأداء، إلى جانب آليات التنسيق والمتابعة والرقابة والمدد الزمنية اللازمة للتنفيذ.

وتشمل الأولويات التي حددتها الخطة استمرار الخدمات الصحية والتعليمية، والمياه والكهرباء والنظافة والطرق والمشتقات النفطية والغاز المنزلي، وهي قطاعات يرتبط انتظامها بصورة مباشرة بالاستقرار المعيشي وقدرة المواطنين على ممارسة حياتهم اليومية بصورة طبيعية.

ولا تقف الخطة عند حدود استمرار تقديم الخدمات، بل تمتد إلى حماية الأصول والممتلكات والوثائق والسجلات الرسمية، والحفاظ على الكوادر البشرية وحقوق الموظفين وخبراتهم، والتحضير لاستكمال إجراءات التوحيد المؤسسي وفقا للقوانين واللوائح النافذة.

وأكد نائب وزير الخدمة المدنية والتطوير الإداري أن معالجة الانقسام الإداري والمؤسسي ستتم بصورة تدريجية ومنظمة، بما يعزز وحدة العمل المؤسسي وكفاءة الأداء واستقرار الخدمات العامة. كما شدد على ضرورة استمرار الموظفين في أداء مهامهم، والاستفادة من خبراتهم وقدراتهم، وحماية حقوقهم، باعتبار الحفاظ على مؤسسات الدولة ومرافقها مسؤولية مشتركة.

وتكشف هذه الترتيبات عن إدراك لأهمية الجانب الإداري في أي عملية تستهدف تطبيع الأوضاع؛ فالمشاريع الجديدة وحدها لا تكفي إذا لم تتوافر مؤسسات قادرة على تشغيل المرافق وصيانتها، وموظفون يواصلون أداء مهامهم، وآليات واضحة لتنسيق العمل ومتابعة مستوى الإنجاز ومعالجة أوجه القصور.

الشراكة المحلية ركيزة لاستمرار التعافي

في موازاة ذلك، تحضر الشراكة بين الحكومة والسلطة المحلية والمجتمع بوصفها أحد المسارات التي تراهن عليها الجهود الجارية لتوسيع نطاق التنمية وتحسين الخدمات. فالمبادرات المجتمعية والمشاريع التي تنفذ بمساهمات محلية تتيح توجيه الجهود نحو الاحتياجات التي تفرضها ظروف كل مديرية، فيما يسهم التنسيق مع الجهات المركزية في توفير الدعم والإمكانات اللازمة.

وقد أكد المداني أهمية استمرار جهود السلطة المحلية والمكاتب التنفيذية والعاملين في المحافظة، مثمنا ما بذلوه في توفير الاحتياجات الضرورية وتقديم الخدمات، كما شدد على تطوير العمل الميداني وتعزيز البرامج التنموية في مختلف المديريات. وفي المقابل، أكد المساوى مساندة السلطة المحلية للجهد المجتمعي وتمكين الجمعيات التعاونية، بما يدفع باتجاه توسيع المشاركة المحلية في التنمية.

ويتصل هذا المسار أيضا بتعزيز الأمن وسكينة المجتمع، إذ أكد المسؤولون أهمية تكامل الأدوار بين الجهات الحكومية والسلطة المحلية والقوات المسلحة والأمن وأبناء المحافظة،كما جدد المداني والمساوى الدعوة لمن لا يزالون في صفوف التحشيدات التابعة للسعودية إلى الاستفادة من العفو الرئاسي والعودة إلى الصف الوطني.

قد يعجبك ايضا