“باص الطالبات تحت الغارة.. حكاية استشهاد الطفلة أثير”

مراد راجح شلي

المكان: منطقة بيت اللهيدة في سعوان، بمديرية بني حشيش
الزمان: الحادية عشر ظهر  الاحد الخامس من اكتوبر 2026م .
كانت الطفلة أثير العامري ذاهبة إلى المدرسة مثل كل صباح.
لم تكن تحمل شيئاً سوى حقيبتها ودفاترها وأحلام طفلة لم تعرف من الدنيا إلا أن للغد موعداً جميلاً.
ربما كانت تفكر في امتحانها النصفي، وربما كانت تنتظر أن تعود إلى بيتها لتحكي لأمها شيئاً صغيراً حدث في المدرسة.
ودعتها أمها بقلب منقبض وابتسامة حانية.
قالت لها الأم:-
أثير، راجعتي دروسك؟ اقرئي دعاء التسهيل، وراجعي الإجابات قبلما تسلميها.
استمعت أثير إلى أمها، وأشارت بإبهامها إلى الأعلى، كأنها تقول لها لا تقلقي لتقول:-
– نعم راجعت .. خاطرك يا أمي
لاحقتها أمها بالدعوات، وهي تشاهد خطوات ابنتها الصغيرة وهي تدلف إلى الباص الذي انطلق سريعاً.
لم تكن تعلم أن تلك كانت آخر خطوات ابنتها نحو المدرسة.
في داخل الباص، كانت أثير تتحدث مع زميلاتها بكل حماسة، وهن يراجعن دروس الامتحان الذي لم تكن تعرف أنه سيكون امتحانها الأخير.
وصلت أثير وزميلاتها إلى المدرسة.
كان الامتحان سهلاً أمام طالبة صغيرة متقدة الذكاء كأثير.
راجعت إجاباتها مرة أخرى قبل أن تسلّم ورقة الإجابة إلى المعلمة، ثم خرجت إلى ساحة المدرسة تنتظر زميلاتها اللواتي سيعدن معها في الباص.
عند الحادية عشرة ظهراً، دوّى انفجار هائل.
كانت أثير تعرف ذلك الصوت جيداً.
فقد كبرت على أصوات غارات العدو السعودي.
تذكرت شقيقها الصغير، الذي كان يبكي كلما سمع صوت تلك الانفجارات.
تجمعت الطالبات، ثم صعدن إلى الباص.
كانت أثير تحفظ طريق العودة إلى المنزل.
لكنها لم تكن تعرف أن ذلك الطريق سيصبح طريقاً بلا عودة.
في لحظة واحدة…
توقفت الطفولة.
سقطت أثير، وسقط معها شيء أكبر من جسد طفلة.
سقط دفترها. سقطت حقيبتها.
وسقط صباح كان يفترض أن يمتلئ بأصوات الطالبات وضحكاتهن.
كانت أثير طفلة تحمل قلماً، لا سلاحاً.
طالبة تحمل كتاباً، لا بندقية.
وكانت عائدة إلى بيتها، لا إلى جبهة.
عادت الحقيبة وحدها.
عادت الدفاتر.
وعاد القلم الذي كانت تمسكه بيدها الصغيرة.
أما أثير…
فقد استهدف العدوان السعودي المجرم الباص الذي كان يقلها مع زميلاتها فارتقت شهيدة وشاهدة على إجرامه وأصيبت عدد من زميلاتها .
يا لهذا الوجع يا ام اثير . كانت أم أثير تراقب من نافذة المنزل، بقلب مذعور، وصول باص ابنتها.
فقد سمعت صوت الغارة، وبدا لها أن الانفجار كان قريباً منهم.
لكن الباص لم يصل.
اتصلت بإدارة المدرسة.
جاءها الرد الذي كان يفترض أن يطمئنها، لكنه فجّر في قلبها خوفاً أكبر:-
– نعم، أثير غادرت هي وزميلاتها.
ظلت الأم تترقب وصول الباص بجسد مرتعش.
كل دقيقة كانت تمر كأنها عمر كامل.
حتى رن هاتفها.
نظرت إلى الشاشة.
كان زوجها.
أجابت: أيوه.
جاءها صوته متهدج بالبكاء ومثقلاً بالموت:-
– يا أم أثير… أثير استشهدت، وأنا في المستشفى الآن.
صُدمت أم أثير.
سقطت على الأرض.
وكأن الكلمات لم تجد طريقها إلى عقلها.
ثم خرجت منها صرخة أم لا تصدق أن ابنتها الصغيرة لن تعود:-
يا الله ابنتي ليست قائداً عسكرياً…
لا تحمل سلاحاً.
لا تعرف شيئاً عن المعارك.
كانت تحمل قلماً ودفتر امتحان.
كانت ذاهبة إلى المدرسة لتتعلم، لا إلى الحرب لتقاتل.
أن يبقى المقعد خالياً…
والدفتر مفتوحاً…
والقلم في مكانه…
ولا تعود اليد الصغيرة لتكمل ما بدأت.
أثير لم تكن تعرف شيئاً عن الحرب.
كانت تعرف المدرسة.
والكتاب. والصديقات.
وحلمها بأن تكبر.
لكن العدو السعودي يكره أطفال اليمن.
لم يرَ طفلة. رأى هدفاً.
فأسقط الموت فوق طفولتها.
رحلت أثير…
وبقي البيت ينتظرها.
وبقيت أمها تنظر إلى الباب.
لعل طفلتها تدخل منه فجأة…
بحقيبتها.
بخطواتها الصغيرة.
وبصوتها الذي لن يأتي.
لكنها لن تأتي.
لقد سبقتها الغارة إلى آخر الطريق.
وما أقسى أن يكون آخر درس في حياة أثير…
إن العدو السعودي لا يترك لأطفال اليمن حتى حق العودة إلى بيوتهم .

قد يعجبك ايضا