السيف الذي لم يُشهر إلاَّ في وجه المسلمين.. قراءة في خطاب السيد عبدالملك الحوثي في ذكرى مجزرة الصالة الكبرى٨
سامي عطا
سامي عطا
في الذكرى السنوية لجريمة الصالة الكبرى التي هزّت العاصمة صنعاء عام 2016م، وقف السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، قائد الثورة وزعيم حركة أنصار الله، ليُلقي خطاباً ليس كسائر الخطابات، بل كان أشبه بمرآة قرآنية تُكشف فيها حقائق النظام السعودي أمام أعين الأمة الإسلامية. لم يكن الخطاب مجرد استذكار لذكرى أليمة، بل كان تشريحًا دقيقًا لسلوك نظام يرفع راية التوحيد بينما يغرس سيفه في أعناق المسلمين، ويتحوّل إلى أداة طيعة في مشروع صهيوني أمريكي يستهدف اليمن وفلسطين والأمة جمعاء.
ما إن بدأ السيد الحوثي كلمته حتى وضع يده على مفتاح الفهم كله، حين تلا قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ}. هذه الآيات، كما أوضح السيد القائد، ليست مجرد نصوص تُتلى في المحاريب، بل هي تشخيص إلهي دقيق لفئة من الناس تتقمّص العناوين البرّاقة، وتُخادع الأمة بأوصاف دينية زائفة، بينما تُبطن الإجرام والفساد وإهلاك الحرث والنسل. ومن أبرز مصاديق هذه الآيات في عصرنا، كما قال بصراحة لا لبس فيها: ” المعتدي السعودي “.
وهنا يبرز السؤال الذي أراد السيد الحوثي أن تُدركه الأمة، كيف لنظام يقدّم نفسه ” خادماً للحرمين الشريفين “، ويضع الشهادتين على علمه الوطني، أن يكون في حقيقة الأمر مجرماً يُشهر سيفه في وجه المسلمين فقط؟. لقد بيّن السيد القائد أن ذلك السيف الذي في العلم السعودي ” لم يُشهر إلاَّ في وجه أمتنا الإسلامية، ولم يقتل إلاَّ مسلمين، ولم يتّجه إلاَّ إلى أعناق أمتنا الإسلامية “. وتحدّى الأمة أن تُثبت وقفة عسكرية واحدة لهذا النظام في مواجهة إسرائيل أو أمريكا أو أي عدو حقيقي للأمة الإسلامية. إنها مفارقة مؤلمة، لكنها الحقيقة التي يحاول الإعلام المضلل طمسها.
لم يكتفِ قائد الثورة بهذا التشخيص القرآني، بل انطلق ليستعرض الجرائم المتواصلة لهذا النظام منذ بدء عدوانه على اليمن في 26 مارس 2015. تحدث عن استهداف الأحياء السكنية والأسواق والمساجد والمناسبات الاجتماعية، وعن ” جرائم حرب ” و” جرائم ضد الإنسانية ” و” إبادة جماعية “. وذكّر بمجزرة الصالة الكبرى نفسها، حين استُهدف عزاء ” آل الرويشان ” في صنعاء، فاستُشهد وأُصيب أكثر من ألف إنسان. ولفت إلى أن الوسائل الإعلامية الغربية نفسها باتت تُقرّ بتزايد أعداد الضحايا المدنيين من النساء والأطفال منذ أن استأنف العدو الصهيوني تعاونه مع السعودية في العدوان. وهنا تتكشف الحقيقة الكبرى، أن هذا العدوان ليس يمنياً – سعودياً فحسب، بل هو عدوان أمريكي- بريطاني- صهيوني تُنفّذه أيادٍ سعودية وفق ” النهج الشيطاني “.
ومن أعمق اللحظات في الخطاب، تلك التي ربط فيها السيد عبدالملك بين العدوان على اليمن والموقف من القضية الفلسطينية. لقد قال بوضوح: إن من يورّط نفسه مع المعتدي السعودي ” فهو يسيء إلى نفسه، يشوّه نفسه، يدنّس نفسه، ويسيء إلى شعبه، ويسيء إلى بلده “. ثم ضرب مثلاً صارخاً لمن انخرط في هذا العدوان ظناً منه أن المصالح السياسية ستنجيه: عمر البشير والجيش السوداني والجنجويد. لقد أرسلوا جيوشهم للعدوان على اليمن ” بدون أي حق “، وارتكبوا جرائم فظيعة، فكانت النتيجة أن ضاعت كل الحسابات والمكاسب، وجاءت المؤاخذة الإلهية العاجلة. إنه درس بليغ لكل نظام يُفكّر في المساومة على حساب الدم اليمني.
كما لم يغفل السيد القائد عن توجيه نصيحة مباشرة لقطر التي ” باتت تتبنّى العدوان السعودي على بلدنا سياسياً وإعلامياً “، محذراً بأن هذا القدر من المشاركة هو مشاركة في الظلم. إنها رسالة واضحة: لا يمكن لمن يدّعي الإسلام والانتماء للأمة أن يقف في صف المجرمين، بينما يترك الشعب الفلسطيني المظلوم وحيداً يُذبح على مرأى العالم.
لقد كان خطاب السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي بمثابة زلزال يهزّ جدران الخداع. لم يكن خطاباً عاطفياً فحسب، بل كان مزيجاً فريداً من التحليل القرآني العميق، والكشف السياسي الجريء، والتذكير بالمسؤولية التاريخية. لقد أعاد ترتيب الأولويات أمام الأمة: إما أن تكون مع الحق الفلسطيني والمظلومين، أو أن تكون شريكاً في الإثم والعدوان. ولا ثالث بينهما.
وفي الختام، يمكن القول إن هذا الخطاب ليس مجرد كلمة تُلقى وتُنسى، بل هو وثيقة سياسية وإيمانية تُلخّص معاناة شعب عاش اثنتي عشرة سنة من الصمود في وجه أعتى آلة حرب في المنطقة. وكما قال السيد القائد في خطابه، فإن الشعب اليمني ” يمتلك اليوم كل العزم وعناصر القوة بالصمود والثبات مهما طالت الحرب “. فهل تستيقظ الأمة قبل أن يطالها السيف ذاته الذي لم يُشهر إلا في وجهها ؟.
