جنوب يتحوّل من ضحية إلى خنجر

سامي عطا

سؤال الهوية أم لعبة الجغرافيا ؟
في النقاش العام حول الجنوب اليمني، يبدو أننا أمام مفارقة نادرة: جماعة تطالب بحق تقرير المصير، لكنها في الممارسة العملية تحوّلت إلى أداة في يد أعداء من تدّعي الاستقلال عنهم. هذه المفارقة ليست جديدة في تاريخ المنطقة، لكنها تكتسب اليوم خطورة استثنائية لأنها تتقاطع مع معادلات إقليمية ودولية معقدة. السؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن أمام أزمة هوية حقيقية، أم أمام أزمة وعي مُصطنعة يُعاد إنتاجها كلما دعت الحاجة إلى إعادة ترتيب أوراق النفوذ ؟
من “ قميص عثمان ” إلى “ خنجر ”
استُخدم مصطلح “ قميص عثمان ” في التراث العربي الإسلامي للإشارة إلى المظلومية التي تُرفع كراية سياسية، حتى عندما تكون الأرضية الواقعية لهذه المظلومية هشة أو قابلة للتوظيف. وفي الحالة الجنوبية، يُلاحظ أن خطاب المظلومية قد تحوّل على مدى اثني عشر عاماً من أداة للتعبير عن المطالب إلى سلعة سياسية تُباع وتُشترى في أسواق النفوذ الإقليمي. لكن المشكلة الأعمق ليست في وجود مظلومية حقيقية من عدمه، بل في أن هذا الخطاب نفسه قد أفرز واقعاً معاكساً تماماً لما يعلنه أصحابه ؛ فبدلاً من بناء دولة قادرة على حماية شعبها، وجدنا أنفسنا أمام كيانات مسلحة تتحرك وفق أجندات خارجية.
وهنا تستدعي الذاكرة ما كتبه مالك بن نبي في كتابه “ شروط النهضة ” حين قال: “ إن القابلية للاستعمار أخطر من الاستعمار ”. بن نبي لم يكن يتحدث عن الجنوب اليمني بالطبع، لكن تشخيصه يظل صالحاً لكل سياق تنشأ فيه نخبة محلية تُتقن فن خدمة الخارج باسم تمثيل الداخل. فالمشكلة ليست في وجود قوى خارجية تريد اختراق المنطقة — فهذه حقيقة جيوسياسية قديمة — بل في وجود “ قابلية ” داخلية لهذا الاختراق، وهي القابلية التي تتغذى على خطاب المظلومية نفسه.
المظلومية كمشروع سياسي
لا ينكر عاقل أن الجنوب اليمني عاش عقوداً من التهميش والصراع على السلطة والثروة. لكن التهميش، بحسب عبدالله العروي في كتابه “مفهوم الحرية”، لا يُعالج بالانفصال، بل بالوعي التاريخي الذي يربط الذات بماضيها دون أن يحبسها فيه. العروي يرى أن الهوية ليست “ما خلّفه الأسلاف” فحسب، بل هي وعي متجدد بالذات في الزمن الحاضر. وعندما تُختزل الهوية في خطاب ضحية أبدي، فإنها تتحول من مشروع تحرر إلى مشروع استكانة.
وهذا ما يفسر مفارقة الواقع الراهن أشار الذي يتشكل في الجنوب، أن جماعات تُعلن انفصالها عن صنعاء، لكنها تجد نفسها منخرطة في خدمة مشروع خارجي يقوده خصوم صنعاء. هذه ليست مفارقة عرضية، بل هي منطق بنيوي في خطاب المظلومية حين يُفرغ من أي محتوى تحرري حقيقي. فرانتز فانون، في “ المعذبون في الأرض ”، حذّر من أن السيطرة الاستعمارية “ هدمت الوجود الثقافي للشعب المستعمر ”، ثم أنتجت نخباً محلية تعيد إنتاج هذا الهدم بأدوات وطنية مزيفة. فانون لم يكن يقصد الجنوب اليمني، لكن تحليله للعلاقة بين الاستعمار والنخب المحلية يظل من أدق ما كُتب في هذا الباب.
الخنجر في الظهر، استراتيجية أم ردّ فعل؟
ومثلما كانت صنعاء قبل الوحدة خنجراً بيد أنظمة البترودولار والغرب ضد نظام الجنوب الشعبوي، فإنه يراد اليوم لأن يكون الجنوب خنجراً بيد أنظمة البترودولار والغرب ضد سلطة صنعاء الشعبوية ”. هذه المقابلة بين حقبتين تكشف عن استمرارية في المنطق الجيوسياسي: المنطقة العربية، بحكم موقعها وثرواتها، تظل ساحة لتصفية حسابات القوى الكبرى. لكن الفرق الجوهري أن “ الخنجر ” في الحالتين لا يُصنع في واشنطن أو الرياض أو لندن، بل يُصنع محلياً، بأيدي نخب تختار أن تكون الطرف الأضعف في معادلة القوة.
إدوارد سعيد، في كتابه المشهور “ الاستشراق ”، شرح كيف أن الغرب لم يكتشف الشرق فحسب، بل “ اخترعه ” بوصفه كياناً منفصلاً وقابلاً للسيطرة. وبالمثل، فإن فكرة “ الجنوب المنفصل ” قد لا تكون تعبيراً عن واقع تاريخي بقدر ما هي نتاج هندسة سياسية تُنتج “ الآخر ” لتسهيل السيطرة عليه. سعيد يرى أن “ فكرة الهويات الضيقة والمنفصلة ليس لها أساس تاريخي ”، وأننا “ ننتمي إلى هويات أوسع بكثير وهذه العبارة ليست دعوة إلى إنكار الخصوصيات المحلية، بل دعوة إلى رفض تحويل هذه الخصوصيات إلى سجون سياسية تُستخدم ضد أصحابها.
سؤال الشرعية أو من يمثل من؟
المشكلة في الحالة الجنوبية ليست في وجود مطالب محلية مشروعة، بل في غياب أي آلية ديمقراطية حقيقية لصياغة هذه المطالب وتمثيلها. فالميليشيات التي تسيطر على الجغرافيا الجنوبية لا تمثل سكانها بالضرورة، بل تمثل قوى إقليمية تدفع رواتبها وتحدد أهدافها. وهذا ما يجعل الحديث عن “ودولة الجنوب ” حديثاً بلا دولة، و” استقلالاً ” بلا استقلال فعلي. مالك بن نبي، في كتابه “ مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي ”، ميّز بين الأفكار الميتة والأفكار المثمرة ؛ الأولى تُستورد ولا تُنتج، والثانية تنبع من الواقع وتعبر عنه.
وخطاب “ استرداد الدولة ” في شكله الراهن يبدو أقرب إلى فكرة مستوردة تُستخدم لتبرير التبعية، لا إلى فكرة مثمرة تنبع من احتياجات الناس الحقيقية.
نحو وعي جديد بالجنوب
لا يمكن لأي حديث عن الجنوب اليمني أن يكون جاداً إذا ظل أسيراً لثنائية الانفصال/الوحدة. الثنائية الحقيقية ليست بين صنعاء وعدن، بل بين مشروع وطني يريد بناء دولة لكل اليمنيين، ومشروع تفكيكي يريد تحويل الجغرافيا اليمنية إلى ساحة مفتوحة للصراع الإقليمي. والجنوب، بثقله التاريخي والجغرافي، قادر على أن يكون شريكاً في المشروع الأول، أو خنجراً في المشروع الثاني. الاختيار ليس قدراً، بل هو قرار سياسي يحتاج إلى وعي جديد يتجاوز خطاب المظلومية إلى خطاب المسؤولية، ويتجاوز سؤال “من ظلمنا؟” إلى سؤال “ماذا نبني؟ ”.
كما كتب الروائي السوداني الطيب صالح ذات مرة: “لكي تتكيف مع الغرب، عليك حتماً أن تخسر جزءاً من ذاتك”. ويمكن تعديل هذه المقولة لتنطبق على الحالة اليمنية: لكي تتكيف مع مشاريع الخارج، عليك حتماً أن تخسر وطنك. والجنوب الذي يرفض خسارة وطنه هو الجنوب الذي يستحق أن يُبنى، لا الجنوب الذي يُستَخدم.

قد يعجبك ايضا