الثورة/ هاشم السريحي
كشفت دراسة أكاديمية حديثة بجامعة صنعاء عن تحولات لافتة أحدثها الاستخدام المتزايد لمواقع التواصل الاجتماعي في عملية التنشئة الاجتماعية للأبناء داخل الأسرة اليمنية، مشيرة إلى أن هذه المنصات لم تعد مجرد وسيلة للترفيه والتواصل، وإنما أصبحت عاملاً مؤثراً في تشكيل القيم والعلاقات الأسرية وأساليب الضبط والتوجيه.
وحملت الدراسة عنوان «أثر استخدام مواقع التواصل الاجتماعي على عملية التنشئة الاجتماعية للأبناء داخل الأسرة اليمنية»، وأعدتها جميلة محمد الكمالي، من قسم العلوم التربوية بكلية التربية والآداب والعلوم التطبيقية – خولان، جامعة صنعاء، ونشرت في مجلة جامعة صنعاء للعلوم الإنسانية، المجلد الخامس، العدد التاسع، 2026م، في الصفحات 244–275.
واعتمدت الباحثة المنهج الوصفي التحليلي، مستخدمة الاستبانة أداة رئيسة لجمع البيانات، فيما شملت الدراسة عينة عشوائية بسيطة من 125 أسرة يمنية في مدينة صنعاء، لديها أبناء يستخدمون مواقع التواصل بصورة منتظمة، وتتراوح أعمار الأبناء محل الدراسة بين 12 و18 عاماً.
لماذا أجريت الدراسة؟
تنطلق الدراسة من التحول الذي أحدثته التكنولوجيا الرقمية في البيئة التي ينشأ فيها الأطفال والمراهقون؛ فبعد أن كانت الأسرة تمثل المؤسسة الأساسية في نقل القيم والعادات والمعايير، أصبحت مواقع التواصل شريكاً جديداً في تشكيل أفكار الأبناء واتجاهاتهم وسلوكياتهم.
وترى الباحثة أن أهمية الدراسة تنبع أيضاً من محدودية الدراسات التطبيقية المحلية التي تبحث العلاقة بين الإعلام الجديد والتنشئة الاجتماعية داخل الأسرة اليمنية، مشيرة إلى أن الدراسة تعد – وفق معرفة الباحثة – من الدراسات النادرة محلياً التي تتناول هذه القضية على عينة من الأسر في محافظة صنعاء.
وتسعى الدراسة بصورة رئيسة إلى معرفة أثر استخدام مواقع التواصل الاجتماعي على التنشئة الاجتماعية للأبناء، إلى جانب رصد أنماط الاستخدام، وتأثيرها على القيم والمعايير الاجتماعية، والعلاقات والتفاعل داخل الأسرة، والتأثيرات الإيجابية والسلبية، ومدى إسهامها في تغيير أساليب الضبط الاجتماعي الأسري.
استخدام يومي وساعات طويلة
أظهرت النتائج أن استخدام الأبناء لمواقع التواصل جاء مرتفعاً بصورة عامة؛ إذ بلغ المتوسط الحسابي لاستخدامها يومياً 4.25 من 5، فيما بلغ متوسط قضاء أكثر من ثلاث ساعات يومياً 4.10.
كما بلغ متوسط تفضيل التفاعل عبر مواقع التواصل على التفاعل المباشر 4.00، وامتلاك حسابات على أكثر من منصة 3.95، بينما بلغ الاستخدام لأغراض تعليمية ودراسية 3.80، وللترفيه وتمضية الوقت 3.75.
وفي المقابل، سجل استخدام مواقع التواصل دون إشراف مباشر من الوالدين متوسطاً مرتفعاً بلغ 3.70، بينما بلغ الاستخدام في أوقات متأخرة من الليل 3.65، وتأثير مواقع التواصل على تنظيم وقت الأبناء 3.50.
وتعكس هذه الأرقام، بحسب الدراسة، انتقال مواقع التواصل من كونها أداة ترفيهية إلى جزء أساسي من الحياة اليومية للأبناء، بما يجعلها طرفاً مؤثراً إلى جانب الأسرة في تشكيل السلوك والقيم.
القيم الاجتماعية تحت تأثير الفضاء الرقمي
وفي محور القيم والمعايير الاجتماعية، جاءت المتوسطات مرتفعة بصورة عامة، وتصدر تغيير بعض القيم الاجتماعية لدى الأبناء بمتوسط 4.05 من 5، يليه ضعف الالتزام بالعادات والتقاليد بمتوسط 4.00.
كما سجل تأثير المحتوى الرقمي على القيم الأخلاقية للأبناء 3.95، وظهور نوع من الازدواج القيمي نتيجة التعرض المتكرر للمحتوى الرقمي 3.90، وتعزيز النزعة الفردية 3.85، وإعادة تشكيل منظومة القيم الأسرية 3.80.
وفي المقابل، جاءت بعض المؤشرات بدرجة متوسطة، مثل تأثير الاستخدام على الانضباط الاجتماعي 3.60، وتعزيز قيم الحوار والتسامح 3.55.
وتخلص الدراسة هنا إلى أن التنشئة الاجتماعية لم تعد عملية تنحصر داخل الأسرة، بل أصبحت تتداخل فيها مؤثرات رقمية وثقافية متعددة، الأمر الذي يفرض – وفق الباحثة – تعزيز التوجيه القيمي داخل الأسرة لتحقيق التوازن بين الانفتاح على العالم والحفاظ على الهوية والقيم الاجتماعية.
الحوار الأسري يتراجع
وفيما يتعلق بالعلاقات والتفاعل داخل الأسرة، جاءت النتائج مرتفعة أيضاً، وكان أبرزها أن استخدام مواقع التواصل يقلل من الحوار الأسري المباشر بمتوسط 3.95، ويؤدي إلى ضعف التفاعل الأسري بمتوسط 3.90، ويقلل مشاركة الأبناء في الأنشطة الأسرية بمتوسط 3.85.
كما بلغ متوسط تأثير الاستخدام المفرط في العزلة داخل الأسرة 3.80، وتأثيره في السلطة الوالدية 3.75، وزيادة الخلافات بين الأبناء والوالدين 3.70.
في المقابل، جاءت بعض المؤشرات في المستوى المتوسط؛ إذ بلغ تأثير الاستخدام على الروابط العاطفية 3.65، وعلى الشعور بالانتماء الأسري 3.60، بينما بلغ تسهيل التواصل مع الأقارب 3.55، وتأثيره على مستوى التفاهم داخل الأسرة 3.50.
تأثيرات سلبية.. لكن فوائد لا يمكن تجاهلها
لم تقدم الدراسة مواقع التواصل باعتبارها ذات تأثير سلبي مطلق، بل رصدت تأثيرات إيجابية وأخرى سلبية.
فعلى الجانب السلبي، سجلت الدراسة – وفق مناقشة النتائج – متوسطاً بلغ 4.10 للتعرض لمحتويات غير ملائمة، و4.05 لتقليد أنماط سلوكية غير مرغوبة، و4.00 لإضعاف التنشئة الاجتماعية التقليدية، و3.95 لضعف الضبط الذاتي لدى الأبناء، و3.90 لتأثيرها السلبي في الدور التربوي للأسرة.
أما الجانب الإيجابي، فسجلت تنمية الوعي بالقضايا المجتمعية 3.75، واكتساب مهارات اجتماعية جديدة 3.70، وتوسيع دائرة العلاقات الاجتماعية 3.65، وتعزيز الثقة بالنفس 3.60، ودعم التعلم الذاتي 3.55.
وتؤكد الباحثة أن تأثير مواقع التواصل لا يرتبط بوجودها في حد ذاته، وإنما بطريقة الاستخدام ومستوى التوجيه والرقابة الأسرية.
من الرقابة الصارمة إلى الحوار والتوعية
ومن أبرز ما توصلت إليه الدراسة أن مواقع التواصل أسهمت في تغيير أساليب الضبط الاجتماعي داخل الأسرة.
فقد بلغ متوسط صعوبة مراقبة الأسرة لاستخدام الأبناء لمواقع التواصل 4.15، فيما بلغ تراجع أساليب الضبط الأسري التقليدية 4.05، وتأثير المواقع في تقليل سلطة الوالدين 4.00، ودفع الأسرة إلى اعتماد أساليب ضبط حديثة 3.95، وتأثير الإفراط في الاستخدام على ضعف الانضباط الأسري 3.90.
وفي المقابل، بلغ اتجاه الأسرة إلى استخدام التوعية بدلاً من العقاب 3.70، ووضع قوانين أسرية واضحة لتنظيم الاستخدام 3.65، واستخدام الأساليب التفاوضية 3.60.
وترى الدراسة أن هذه النتائج تشير إلى انتقال تدريجي من الضبط الأبوي المباشر إلى أساليب تقوم على الحوار والتوعية والتفاوض، بما يتلاءم مع البيئة الرقمية الجديدة.
ماذا أوصت الدراسة؟
قدمت الدراسة حزمة من التوصيات موزعة على الأسرة والمؤسسات التعليمية والمجتمعية وصناع القرار والباحثين، أبرزها:
– تعزيز الرقابة الواعية على استخدام الأبناء لمواقع التواصل دون اللجوء إلى الأساليب القمعية.
– تحديد أوقات واضحة لاستخدام الأجهزة، بما يحقق التوازن بين الحياة الرقمية والأنشطة الأسرية.
– تعزيز الحوار الأسري اليومي وغرس القيم الدينية والاجتماعية، مع مشاركة الوالدين أبناءهم في استخدام التكنولوجيا.
– وضع قواعد أسرية واضحة لاستخدام الأجهزة والإنترنت داخل المنزل.
– إدماج التربية الرقمية في المناهج الدراسية، وتعريف الطلبة بالاستخدام الآمن والمسؤول ومخاطر المحتوى غير الملائم.
– توظيف مواقع التواصل في دعم التعلم الذاتي وتنمية المهارات المعرفية.
– تعزيز دور المدارس والجامعات في نشر ثقافة الاستخدام الإيجابي للتكنولوجيا.
– تنفيذ برامج توعوية للأسر حول التربية الرقمية وتأثير مواقع التواصل في التنشئة.
– إنتاج محتوى إعلامي هادف يعزز القيم الاجتماعية والهوية الثقافية.
– إعداد سياسات لحماية الأطفال والمراهقين من المخاطر الرقمية ودعم التوعية بالأمن الرقمي.
– إجراء دراسات مستقبلية تقارن بين البيئات الحضرية والريفية، وتبحث الفروق العمرية والنوعية، والعلاقة بين الاستخدام الرقمي والصحة النفسية، وفاعلية التربية الرقمية .
