بعد اثني عشر عاماً من عمر ثورة الـ 21 سبتمبر، كيف يبدو اليمن اليوم؟
بالنظر إلى الواقع، صار أقوى وأكثر حضوراً وتأثيراً، وأشد ثباتاً ووعياً في فهم مفاتيح العالم، المتقلب تبعاً للمصالح.
تجاوَز الرؤية الضيقة للمكاسب الآنية وانفتح على الغايات الاستراتيجية، وبات أقدر على رسم ملامح مُشعة بالحياة لحقبة جديدة، متحرراً فيها من عباءة الانغلاق والتخلف ووضعية الاستضعاف، أو الاستسلام للمغريات.
ولا شك بأن من حصر حياة الوطن في زاوية الماديات الزائلة، قد رأى كيف أن قطار البناء كان يسير من حولنا مُحدِثاً تحولات وإضافات متسارعة في واقع الشعوب، فيما ظل اليمن بلا جديد قابل للحياة والبناء عليه.
صححت ثورة الـ 21 من سبتمبر قصور هذه الرؤية، وأيقنت مبكراً ومع تكالب المؤامرات الهادفة لوأدها، أن الوصول إلى هدف كسر القيود، للتحرر وتثبيت واقعا مغايرا يمكن أن يُمثِّل بداية لإحداث نقلات نحو مستقبل أفضل إنما يبدأ -بالضرورة- من تجاوز كافة أشكال التبعية والارتهان للخارج.
والتحرر الحقيقي وكسر قيود الوصاية لا يعني فقط استعادة الثروات الوطنية، وإنما الأهم من ذلك هو امتلاك القرار السيادي لإدارة هذه الثروات، الأمر الذي سيعني حرية توجيهها نحو صنع واقع تراكمي من المنجزات، ومواكبة التحديثات المستمرة لمختلف وسائل الحياة العصرية.
الثورة التي لا تزال تعيش تحديات المؤامرات المستمرة، نجحت رغم ذلك بوضع أقدامها الراسخة على طريق هذا التحرر، وامتلكت فعلياً أدوات القوة والردع. وباتت في وقت قياسي قادرة على فرض إرادة الشعب اليمني الصابر، الساعي بكل عزم لنيل الاستقلال الكامل وكف يد الشر والعدوان عن البلد والشعب.
ولأن هذا التوجه الطبيعي لم يرُق للمتآمرين ولم ينسجم مع أهدافهم الأنانية، اشتدت هجمات التحالف السعودي الأمريكي العدوانية على اليمن كنتيجة لحالة «فوبيا التحرر اليمني».
وهذه الحالة من السعار والهلع الذي تصاب به قوى الاستكبار والوصاية أمام كل خطوة يخطوها اليمن نحو استقلاله الحقيقي، ليست سوى انعكاس لهذه الـ”فوبيا”؛ فالمشروع القرآني والوطني الذي تحمله ثورة الـ 21 من سبتمبر شكّل نموذجاً حياً ومقلقاً لكل قوى الهيمنة، في وقت يرزح فيه غالبية العالم تحت سطوة الخوف، والامتثال لما يأتي من الغرب، ومن الشيطان الأكبر أمريكا على وجه التحديد.
والوضع اليوم، بعد اثني عشر عاماً من عمر الثورة والتوجه الصادق لبناء الذات، ليس كما كان قبل عقد من الزمن، حين كان الواقع أضعف والإمكانيات أقل. فقد بات تأثير اليمن يصل إلى أقصى العالم، وصار رقماً صعباً وواقعاً معقداً يستحيل اختراقه أو تجاوزه. وفي ظل هذه المعطيات لم يعد بالإمكان التعاطي معه على أساس واقع الأمس.
لقد اشتد عود الثورة، وصدق توقع أرباب الشر بأنها سترفع عن أعين الناس الغشاوة، وسيجدون لأسئلتهم المزمنة الإجابة الشافية. فمن أراد بقاء هذه الأمة رهينة الهموم المعيشية جيلا بعد جيل هم أعداء تحررها من اللصوص الإقليميين والدوليين.
وها هي قوات الشعب اليمني، القوات المسلحة الأبيّة، تفرض اليوم معادلة التحرر، «الحصار بالحصار»، وتشلّ حركة الملاحة السعودية وتحشر اقتصادها في عنق الزجاجة، ولا خلاص من هذا المأزق إلا بمغادرة الكِبر والغطرسة وتمكين الشعب اليمني من كافة حقوقه المشروعة.
وليس ذلك فحسب، بل أن حدث فرض الحصار البحري ترافق معه ضرب مكامن القوة الاقتصادية للعدو السعودي بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، وهو أمر لم يكن متوقعاً أبداً أن تتعرض له أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم وأكبر مستورد للأسلحة.
وهذا التحول الاستراتيجي هو الذي يفتح باب الأمل واسعاً أمام إمكانية تمدُّد التحولات أفقياً ورأسياً؛ فالثورة وأبطالها أدركوا تماماً أن ما نشرته قوى الاستكبار من ثقافة الاستقواء، تحوَّل اليوم ليصير وبالاً عليها وعلى حلفائها إذ ولّد توجها صارما عنوانه الأبرز هو «تأديب المعتدين»، واستعادة السيادة ووضع خطط التحولات دون أي تدخل خارجي أو الاستسلام لضغوط لا تريد لهذا البلد أن يتحرك.
وهذا المسار الحازم لا شك بانه الكفيل وحده، بإجبار بلاطجة الشر على دفن أسلحتهم في الصحاري والجنوح إلى السلم، وتمكين هذا الشعب العظيم من أن يعيش حياته بكامل الاستقلال والسيادة، وإدارة موارده بحرية تامة لخدمة أبنائه وتحقيق تطلعاتهم.
