دور ذكرى المولد النبوي في تعزيز حضور مبادئ الأنبياء في واقعنا المعاصر
يطل هلال الربيعِ الأعظَم، فيكتسح ظلمات العالم بِضياءِ سَيِّدِ الكائنات ومُعزِّ الأحرار؛ الذِّكرى التِي تحيي الرِّمَم، وتُزعج الطغاةَ والمستكبرين، وتوقظ الضَّمائر الحية من سُباتِها.
تطلُّ علينا بعد أيامٍ قليلةٍ ذكرى عظيمة ومناسبة مجيدة: ذكرى مولد خاتم أنبياء الله ورسله، محمد بن عبد الله (صلوات الله عليه وعلى آله). وتأتي هذه المناسبة المباركة في مرحلةٍ تُعدُّ من أكثر المراحل حرجاً وحساسية؛ إذ تشهد الأمة الإسلامية مخاضاً عسيراً وسط ركام من الأحداث المتلاحقة، والفتن المتشابكة، والأزمات الشاملة التي تمس الجوانب الثقافية، والفكرية، والأخلاقية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية.
أزمة الحضارة المادية وهيمنة قوى الاستكبار
لا ينفصل واقع الأمة عن الأزمة العالمية الشاملة الناجمة عن هيمنة قوى الطاغوت والاستكبار التي تنكَّرت لمنهج الأنبياء وقيمهم ومبادئهم، وتحركت بأجندات شيطانية أورثت البشرية ضروباً من الظلم والإفساد.
وعلى الرغم من الوصول إلى أزهى عصور التقدم التقني والإمكانات المادية، إلا أن البشرية لم تنعم بهذا التطور؛ لأن التقدم المادي الذي يتجرد من مبادئ الأنبياء وتعاليم السماء يتحول حتماً إلى أدوات للبطش، والإجرام، وسفك الدماء، والعبث بالبيئة والمناخ. وبدلاً من أن تُسخَّر تلك الإمكانات لخدمة الإنسان وكرامته، غدت مصدراً للشقاء وسبباً في تفاقم أزماته اليومية.
واقع الأمة الإسلامية وتحديات الداخل
وفي طليعة المتأثرين بهذه الأزمات يأتي المسلمون، الذين غاب عن واقعهم الانتفاع الحقيقي بجوهر الإسلام ومبادئه السامية. ومما زاد الطين بِلَّةً، أن بعض الكيانات والأنظمة داخل الأمة – وخصوصاً دور النظام السعودي – أصبح جزءاً لا يتجزأ من منظومة الهيمنة الاستكبارية، لتلعب دوراً سلبيّاً يُضعف الأمة من داخلها، ويُسهم في إضلالها حتى تحت شعارات وعناوين برّاقة. ونتيجة لذلك، لم يُحرم المسلمون وحدهم من ثمار دينهم، بل قُدِّم الإسلام للعالم صورياً وكأنه جزء من المشكلة، بدلاً من أن يكون هو الحل والمنقذ.
السعودية.. خنجر مسموم وقاتل في ظهر الأمة (نقد المواقف والانقلابات)
حين تقلِب البصر في واقع أمتنا اليوم، يرتطم نظرك بصخب زائف وضجيج أصم؛ أنظمة امتلكت بمالها الدعاة والعلماء، ومآذن إعلامية ضخمة، تدّعي رفع راية الإسلام والعروبة، وأنها في خدمة الأمة والدفاع عن مقدساتها. تمتلك أدوات الترميز والتضليل، وهي في ميزان الحقيقة الشيطان الرجيم، ولكن بوجوه بشرية إسلامية وعربية، وما هي إلا أدوات رخيصة في مشروع الهيمنة الصهيونية، إنها السعودية.
ولكن.. العجب كل العجب أن تنظر الأمة العربية والإسلامية إلى من قدّم القادة العظام، وعلى كل المستويات، شهداء على طريق القدس، وساند القضية الفلسطينية بكل ما أوتي من قوة، ففي معركة “طوفان الأقصى” في فلسطين المحتلة، حيث الكرامة والعزة والجهاد المقدس والصمود العظيم، الذي أذهل الأمة وأعجز كل قوى الظلم والبغي الصهيوني، ليقف إلى جانب المجاهدين في مواجهة المشروع الصهيوني بكل صلابة لا تهتز؛ على أنه هو “عدو الأمة”!
فأي عقل شيطاني هذا الذي قلب الموازين؟ وأي منطق أعوج يجعل المصلح والمدافع كالمجرم والخائن؟ ما لكم كيف تحكمون؟!
الخديعة الكبرى.. وسقوط الأقنعة
لقد خُدعت الأمة عقوداً طويلة بلافتات مقدسة؛ باستغلال جوار الحرمين الشريفين، وبمسمى “خدام الحرمين”، وبرفع راية التوحيد زوراً وبهتاناً. أرادوا إقناع الأمة بأن الإسلام محصور في عروش ملوكها، وإمارة أمرائها، وفتاوى دعاتها.. وحاشا لله أن يكون دين العزة حصناً للعملاء والمطبعين!
لقد لبسوا ثوب الإسلام زيفاً على جسد يهودي، وبقلب صهيوني خائن، ولسان تكفيري وهابي يبث الفرقة والدمار في جسد الأمة.
فلتدرك الأمة الحقيقة الساطعة:
ما من رزية، ولا فتنة، ولا دمار حلّ بالمنطقة العربية والإسلامية إلا وخلفه هذا النظام السعودي الصهيوني، ووظيفته المرتبطة بالصهيونية العالمية. يرفع شعار الإسلام نهاراً، ويطعن الأمة في ظهرها ليلاً، ويمارس الدور الوظيفي الحقيقي للعدو، وهو مغتر بما في أرضه من مقدسات طاهرة دنسها حكم الطغاة.
انهضوا من غفوتكم، واكسروا أصنام التضليل، فليست مقدساتنا حكراً على من باعها، وليست الأمة عقيمة عن أن تنجب الأحرار.
العودة إلى منهج الأنبياء: ضرورة واقعية ومخرج حتمي
إننا اليوم في أمسّ الحاجة إلى جعل هذه الذكرى محطةً إيمانيةً وتربوية تزوّدنا بالنور والهداية، وتمنحنا الطاقة المعنوية لإزاحة التبعية الفكرية، والسياسية، والثقافية، والاقتصادية لقوى الاستكبار.
فخاتم النبيين (صلوات الله عليه وعلى آله) هو حلقة الوصل الجامعة بيننا وبين سائر أنبياء الله ورسله، والقرآن الكريم هو الوثيقة الإلهية المأمونة والموثوقة التي جمعت خلاصة هدى الله وتعاليمه، والتي لا غنى للبشرية عنها لإقامة القسط.
أبعاد استحضار سيرة الأنبياء في حياتنا:
-
إعادة الرمزية والقدوة: إن غياب تعاليم الأنبياء ورمزيتهم عن الساحة البشرية يعني تلقائياً تفسيح المجال لقوى الظلم والضلال. لذا يغدو استحضار القدوة في الأنبياء أمراً مصيرياً.
-
استعادة الكرامة الإنسانية: إن التمسك بأخلاق الأنبياء ومبادئهم هو السبيل الوحيد لتهذيب النفوس، واستعادة الشرف والكرامة الإنسانية التي أهدرتها المشاريع الاستكبارية.
-
مشروع إنقاذ وتغيير: لم تكن العودة إلى الأنبياء يوماً مجرد استذكار تاريخي، بل هي سنّة إلهية لإنقاذ المجتمعات من الجهل والجاهلية، وطريق لتصحيح المسار البشري ليصبح وجوداً هادفاً ومسؤولاً.
