نابلس وبلدة تل الفلسطينيتان تحت وطأة العقاب الجماعي: حواجز تخنق الحياة وصرخات تولد وتموت على الطرقات
الثورة نت/
لم تعد الحواجز العسكرية المحيطة بمدينة نابلس مجرد نقاط تفتيش، بل تحولت إلى جدران تعزل الناس عن حياتهم اليومية، وتحوّل أبسط الاحتياجات الإنسانية إلى رحلة محفوفة بالخطر. ففي غضون 24 ساعة فقط، شهدت المحافظة مشهدين يلخصان حجم المأساة: جنين فارق الحياة قبل أن يرى النور بعد احتجاز مركبة ذويه، وطفل آخر أبصر الحياة قسراً داخل سيارة بعدما منعت القيود العسكرية والدته من الوصول إلى المستشفى.
ومنذ يوم الجمعة الماضي، تعيش نابلس وبلدات المحافظة، وفي مقدمتها بلدة تل، تحت حصار مشدد وإجراءات عقابية جماعية أعقبت هجوم مستوطنين على الأهالي، أسفر عن استشهاد أربعة فلسطينيين، لتبدأ بعدها موجة من الإغلاقات والاقتحامات والتضييقات التي طالت تفاصيل الحياة كافة.
يقول الناشط والمسعف الطبيب غسان حمدان لوكالة (صفا) الفلسطينية، إن المدينة كانت تعاني من الحصار منذ فترة طويلة، إلا أن ما جرى عقب أحداث بلدة تل يمثل تصعيداً غير مسبوق، حيث أُغلقت طرق رئيسية وحواجز بالكامل، بينها حاجز “المربعة” الذي أُغلق بالمكعبات الإسمنتية، ما منع الحركة بشكل شبه تام.
ويضيف أن قوات العدو الإسرائيلي تمنع خروج المواطنين من نابلس، بينما تفرض على القادمين إليها إجراءات معقدة وانتظاراً طويلاً، الأمر الذي ترك آلاف المواطنين عالقين داخل المدينة، وأصاب القطاعات الطبية والتجارية والتعليمية بالشلل.
لكن أكثر مظاهر الحصار قسوة ظهرت في القطاع الصحي، حيث بات الوصول إلى المستشفيات معركة بحد ذاتها. ويؤكد حمدان أن عرقلة مرور مركبات الإسعاف تسببت بوفاة جنين، بعدما احتُجزت المركبة التي كانت تقله، فيما اضطرت امرأة قبل ذلك إلى وضع مولودها داخل مركبة بسبب منعها من الوصول إلى المستشفى.
ويشير إلى أن خطورة إغلاق نابلس تكمن في أن مستشفياتها الرئيسية تخدم عشرات البلدات والقرى المحيطة، ما يجعل أي حصار مفروض عليها تهديداً مباشراً لحياة المرضى والجرحى والنساء الحوامل.
ولا يقتصر التصعيد على المدينة، إذ تتعرض بلدات المحافظة لهجمات متواصلة.
ففي بيت فوريك، اقتلع مستوطنون أشجاراً وأحرقوا سبعة منازل ونحو عشرة دونمات من أراضي الزيتون، إضافة إلى عمليات هدم باستخدام آليات ثقيلة، بينما تواجه قريوت حصاراً واقتحامات واعتقالات متواصلة.
أما بلدة تل، التي كانت شرارة التصعيد الأخير، فتعيش واقعاً أشد قسوة، إذ تمنع قوات العدو الإسرائيلي الدخول إليها أو الخروج منها، فيما يواصل المستوطنون اقتحام المنازل واحتلال بعضها، بالتزامن مع انتشار واسع لقوات الاحتلال التي تنفذ عمليات تفتيش وتحول منازل المواطنين إلى نقاط عسكرية.
ويؤكد حمدان أن ما يجري يمثل “عقاباً جماعياً” بحق السكان، مشدداً على أن منع المرضى والجرحى من الوصول إلى العلاج، وفرض الحصار على المدنيين، يتعارض مع المبادئ الإنسانية والقوانين الدولية.
في نابلس، لم تعد معاناة السكان تُقاس فقط بعدد الحواجز المغلقة أو ساعات الانتظار الطويلة، بل بعدد الأرواح التي تدفع ثمن هذه القيود.
بين أمٍّ اضطرت إلى استقبال طفلها داخل مركبة، وجنينٍ رحل قبل أن يصل إلى الحياة، تتجسد صورة حصار لا يطال الطرقات فقط، بل يطارد الإنسان الفلسطيني في أكثر لحظاته ضعفاً وحاجةً للأمان.
