مرةً أخرى، يعود ترامب ومجموعته المتطرفة بالوضع في الشرق الأوسط إلى مربع الفوضى الأمنية، دون أي حسابات للتداعيات.
والواضح أن الأمر لا يعكس شجاعة، وإنما يحتمل أكثر من تفسير؛ منها: استحكام نزعة الطيش وعدم المسؤولية لدى ترامب، لدرجة الذهاب بتصريحاته نحو الإعلان عن تعطيل مذكرة التفاهم مع الجمهورية الإسلامية. ومنها: الشعور المستحكم بالهزيمة؛ لذا فإن في هذه الجرأة لاتخاذ مثل هذا القرار ما يشير إلى محاولات مجموعة ترامب الأمريكية لاستعادة ولو القليل من ماء الوجه، بعد أن تجردت بلاده من القدرة على التأثير.
ومنها التعبير عن الشعور بالنقص عندما يتجاوز كل شركاء العالم، وهو يعلم أن قراره قد يعيد المواجهة ويتسبب في إغلاق مضيق هرمز، الذي تراجعت بالفعل أعداد السفن العابرة له.
«ومنها: غياب الحكمة في مثل هكذا توجه، وهو الذي لم يطرأ عليه أي جديد يمكن أن يمثل عامل ضغط على الجمهورية الإيرانية للإذعان لحماقاته. وبالتالي، فإن أحداً من الخبراء لا يرجح قدرته على استعادة السيطرة على مجريات أي حرب محتملة، وهو -ترامب- الذي عاد أدراجه إلى بلاده مهزوما عقب حرب الأربعين يوماً مع إيران، والتي قلبت كل الموازين وحجمت قدرة أمريكا ونفوذها.
وفي المواجهة السابقة، كشفت الولايات المتحدة عما بلغته من الحماقة، والتهور، والنزعة الفوضوية؛ فهي لما رأت حينها أنها تخسر المعركة، لجأت إلى وضع كل مصالح العالم تحت أقدامها، مقابل أن يساعدها الحظ بأي نصر يبعدها عن شبح السقوط المدوي أمام خصومها في المحور المناهض لها.
نفس المشهد مرشحٌ لأن يتكرر اليوم؛ فأمريكا لا تزال تقامر بواقعها ومستقبلها لصالح حفنة من المرضى المتطرفين، الذين لا يرون في العالم إلا أمريكا، ويتصرفون على أساس أن الجميع لا بد أن يذعنوا لها.
ولا يبدو أن هناك رجل سياسة أمريكيّاً يعي خطورة ما يجر إليه ترامب بلاده والعالم؛ لذلك فإن الوضع مرشحٌ للتصاعد قبل السقوط النهائي.
ويدرك ترامب ومجموعته أن العمل بمذكرة التفاهم جاء بناءً على حاجة اقتصاد العالم للتهدئة، قبل الدخول في أزمات اقتصادية حادة، لكنهم تناسوا هذا في تحركهم الأخير؛ مما يؤكد للآخرين أن الاستقرار العالمي بحاجة لتقليم أظافر هذه الدولة المارقة ودفعها للامتثال للإرادة الدولية، ومغادرة الوهم بامتلاك القدرة على فعل كل شيء. رغم انه لا تعويل للأسف على المجتمع الدولي لمواجهة أمريكا بالنقد والاعتراض وحتى التحرك العملي لردها عن سلوكها العدواني.
«وقد قررت الجمهورية الإسلامية القيام بهذا الدور، واكتشف العالم حينها أن الولايات المتحدة ليست إلا نمراً من ورق؛ ولذا، عندما أرادت إثبات قوتها، ذهبت لتقصف المدنيين أو تستهدف خزانات المياه.
والجهد الصهيوني في أي تحرك عدواني يثبت أن الاستهداف لا يعني إيران فحسب، وإنما يستهدف الإسلام؛ ولذلك كان الهدف الأول لواشنطن هو تغيير النظام الإسلامي في الجمهورية، غير أن نجاح هذا النظام في الكشف عن حالة الخواء التي تعيشها أمريكا أجج لدى واشنطن مشاعر الكره تجاه الإسلام، خصوصاً وأنه ظل يمثل الخطر في الذهنية الغربية الصهيونية، فظهر سلوكها العدواني عارياً من أي ساتر.
إلا أن غياب الحكمة أوصلها إلى مثل هذه النتيجة التي هي عليه اليوم، والتي كما يبدو أنها قد أرّقت المسؤولين فيها وصولا إلى حالة الانفجار والتي تمثلت بنكوص ترامب عن مذكرة التفاهم وكشفه صراحة عن رغبته في العودة إلى الحرب – حسب ما قال.
وهكذا يثير ترامب كل مرة سخرية العالم، لكنه في الوقت ذاته يراكم من أسباب أفول النجم الأمريكي.
