الثورة /متابعات
لم تعد شاحنات المساعدات الإنسانية في قطاع غزة تنقل الغذاء والدواء فقط، بل باتت تحمل معها احتمال الموت في كل رحلة.
فالسائقون الذين يغادرون منازلهم قبل بزوغ الفجر، أملاً في إيصال المساعدات إلى مئات آلاف الجائعين، أصبحوا أنفسهم أهدافًا مباشرة لنيران الاحتلال، في مشهد يفاقم الأزمة الإنسانية ويهدد أحد أهم شرايين الإغاثة في القطاع.
وبينما تتزايد التحذيرات من انهيار عمليات نقل المساعدات، تكشف شهادات جديدة تفاصيل صادمة حول استشهاد السائق أحمد اسليم، الذي تقول روايات شهود إنه أُعدم ميدانيًا أثناء تأدية عمله ضمن قافلة مساعدات منسقة مع منظمات دولية.
إعدام على طريق المساعدات
ووثّقت صحيفة “الغارديان” البريطانية، استنادًا إلى شهادات ثلاثة من السائقين، تفاصيل استشهاد السائق الفلسطيني أحمد اسليم (30 عامًا)، من سكان دير البلح، أثناء عمله على نقل مساعدات غذائية لصالح منظمة “المطبخ المركزي العالمي” (WCK).
وبحسب الشهادات، توقفت قافلة المساعدات بعد تعطل إحدى الشاحنات عقب دخولها قطاع غزة عبر معبر كرم أبو سالم، فيما كان السائقون ينتظرون إذنًا بإجراء الفحص، باعتبار أن القافلة كانت تتحرك ضمن تنسيق مسبق مع الجيش الإسرائيلي.
وخلال انتظارهم، وصلت قوة عسكرية إسرائيلية إلى الموقع، وأمرت السائقين بالنزول من شاحناتهم، قبل أن تجبر بعضهم على خلع ملابسهم والجلوس تحت أشعة الشمس، ثم اقتادت أحمد اسليم بعيدًا عن زملائه.
ويؤكد شهود العيان أن أحد الجنود أطلق النار مباشرة على رأس اسليم بينما كان رافعًا يديه، ليسقط شهيدًا في المكان.
«مع السلامة يخو».. وداع مؤثر من أحد أقارب الشهيد أحمد اسليم، سائق شاحنة المساعدات، الذي قتله الاحتلال في رفح أثناء عمله في نقل البضائع والمساعدات عبر معبر كرم أبو سالم
شهادات السائقين.. “لم يفهموا لغتنا فأطلقوا النار”
ويروي السائق ضياء منصور، الذي كان ضمن القافلة، أن الجنود حاولوا الاستفسار عن سبب توقف الشاحنات، إلا أن أحمد اسليم لم يكن يتحدث العبرية، ولم ينجح أي تواصل بين الطرفين.
ويقول منصور إن الجنود لم يمنحوا السائقين فرصة لشرح الموقف، قبل أن يطلق أحدهم النار على اسليم بشكل مفاجئ، مضيفًا أن ما حدث جرى دون أي اشتباك أو تهديد من جانب السائقين.
كما أفاد الشهود بأن الجنود اعتدوا على السائقين بالضرب والإهانة، واحتجزوهم لساعات قبل السماح لهم بالمغادرة.
قافلة “منسقة بالكامل”
من جهته، أكد جهاد اسليم، نائب رئيس جمعية أصحاب شركات النقل في غزة، أن القافلة كانت منسقة “بنسبة 100%” عبر برنامج الأغذية العالمي ومنظمة “المطبخ المركزي العالمي”، ودخلت القطاع وفق الإجراءات المعتمدة.
وأوضح أن أحمد اسليم كان يرتدي سترة السلامة الخاصة بالعاملين في نقل المساعدات، ويحمل جميع التصاريح اللازمة، معتبرًا أن ما جرى يمثل “إعدامًا ميدانيًا وقتلًا متعمدًا لسائق مدني امتثل لجميع التعليمات”.
وأضاف أن الجيش الإسرائيلي عاد لاحقًا ليزعم أن مسار القافلة لم يكن منسقًا، وهو ما نفته الجمعية بشكل قاطع.
أسرة فقدت معيلها
كان أحمد اسليم متزوجًا وأبًا لطفلين، أحدهما رضيع لم يتجاوز عمره شهرًا واحدًا.
وأكدت شركة “إياد قمري للتجارة والنقل العام”، التي كان يعمل لديها، أن السائق استُشهد برصاصة أطلقها أحد الجنود من مسافة قريبة بعد إنزال السائقين من شاحناتهم.
وقال صاحب الشركة إن السائقين يخرجون يوميًا لنقل الغذاء إلى سكان غزة وهم يدركون أنهم قد لا يعودون إلى منازلهم، مشيرًا إلى أن خمسة من سائقي الشركة قدموا استقالاتهم عقب الحادث، فيما يواصل آخرون العمل فقط بسبب حاجتهم لإعالة أسرهم.
استهداف متكرر لسائقي الإغاثة
ويشير التقرير إلى أن حادثة أحمد اسليم ليست الأولى من نوعها، إذ سبق أن استشهد السائقان محمد الحيلة ومحمود عوض في أيار/مايو الماضي بعد احتجازهما وإطلاق النار عليهما عقب الإفراج عنهما، وفق روايات محلية.
كما استشهد سائقان يعملان مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) خلال تعبئة شاحنات المياه في نقطة توزيع شمال قطاع غزة، فيما أعاد التقرير التذكير بالغارة الإسرائيلية التي استهدفت في /أبريل 2024 قافلة تابعة لمنظمة “المطبخ المركزي العالمي”، وأسفرت عن استشهاد سبعة من موظفي المنظمة.
وتشير هذه الحوادث، وفق التقرير، إلى تصاعد المخاطر التي تواجه العاملين في المجال الإنساني، رغم عملهم ضمن تنسيقات معلنة مع الجهات الدولية.
تهديد بتعليق نقل المساعدات
وفي أعقاب الحادثة، لوّحت جمعية أصحاب شركات النقل الخاص في قطاع غزة بتعليق عمليات نقل المساعدات عبر معبر كرم أبو سالم، احتجاجًا على استمرار استهداف السائقين.
وأكد جهاد اسليم أن السائقين يتعرضون بشكل متكرر للضرب والإذلال والاحتجاز لساعات طويلة، مشيرًا إلى أن الجندي الذي أطلق النار على أحمد اسليم هدّد السائقين الآخرين بأنهم سيلقون المصير ذاته.
وحذّر من أن توقف عمل السائقين سيؤدي إلى تعطيل أحد أهم مسارات إدخال الغذاء والدواء إلى القطاع، في وقت يعيش فيه سكان غزة واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية، مع اعتماد مئات آلاف الأسر على المساعدات اليومية للبقاء على قيد الحياة.
