بضاعة أمريكية منتهية الصلاحية

شاهر أحمد عمير

يُمثل التاريخ السياسي لأمريكا، منذ نشأتها وحتى اللحظة الراهنة، مادة دسمة للبحث في مفهوم “أخلاقيات القوة” ومدى التزام الدول العظمى بعهودها تجاه الحلفاء. إن القراءة العميقة للمسار الزمني للدبلوماسية الأمريكية تضعنا أمام توصيف بنيوي قائم على “استراتيجية الغدر” الممنهج؛ فنحن أمام نمط متكرر لا يتغير بتغير الرؤساء أو الأحزاب، يعتمد على استخدام الحليف كورقة تكتيكية لتحقيق غاية مؤقتة، ثم إلقاء هذه الورقة في سلة المهملات السياسية بمجرد استهلاك قيمتها الوظيفية.
هذا النهج ليس وليد الصدفة، بل هو متجذر في الوجدان السياسي لأمريكا منذ اللحظات الأولى لتأسيس الدولة؛ حيث كانت المعاهدات الموقعة مع قبائل الهنود الحمر، مثل قبيلة “سيو”، مجرد حبر على ورق يُستخدم لتهدئة الأوضاع حتى تكتمل موازين القوى لصالح المستوطنين، وما إن ظهرت سبائك الذهب في “بلاك هيلز” حتى دُهست المعاهدات تحت أقدام المصالح المادية، مما يكشف أن “شهوة التوسع” والنهب هي المحرك الحقيقي وليس القانون الدولي. وهو ما يجسد تماماً الوصف الإلهي في قوله تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم}؛ فهذه الصفة تتجلى اليوم في السلوك الأمريكي الذي جعل من نقض العهود عقيدة سياسية ثابتة.
وعند إسقاط هذا التاريخ على الواقع العربي الراهن، وتحديداً في منطقة الخليج، نجد أننا نمر في توقيت حساس للغاية، حيث تُدفع المنطقة نحو مستنقع مواجهة عدوانية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. إن المنطق الأمريكي الذي يروج لضرورة “الحماية” هو في جوهره فخ سياسي يهدف إلى تحويل دول الخليج إلى خطوط دفاع أمامية لحماية المصالح الأمريكية والكيان الإسرائيلي، مع ضمان استنزاف الثروات عبر صفقات سلاح لا تمنح سيادة حقيقية، بل تكرس التبعية.
والواقع يشهد أن الغدر الأمريكي لم يسلم منه حتى الخصوم الذين ارتضوا الحوار سبيلاً؛ فقد تجلى قبح السياسة الأمريكية في غدرها الصارخ بالجمهورية الإسلامية الإيرانية حين أقدمت على قصفها مرتين وهي لا تزال في خضم جولات الحوار، في رسالة واضحة لكل من يعتقد أن واشنطن تحترم طاولة المفاوضات. هذا الغدر أثناء التفاوض هو السلوك الفطري لمن يرى في المواثيق قيداً يجب التخلص منه عند أول فرصة للبطش.
والتاريخ القريب يقدم دروساً قاسية؛ فما حدث في أفغانستان ليس ببعيد، حيث تخلت أمريكا عن جيش بأكمله في غضون أيام، وما حدث للأكراد يؤكد أن “الضمانة الأمريكية” هي غطاء مؤقت يتبخر عند أول صفقة. إن ظاهرة الانسحاب من المعاهدات الدولية، مثل الاتفاق النووي واتفاقية باريس، تعطي دليلاً قاطعاً على أن التوقيع الأمريكي هو “سلعة معيبة” قابلة للانهيار بمجرد تبدل الأولويات.
وهذا يضع الدول العربية أمام حقيقة مرة: وهي أن المراهنة على “كلمة رئيس متقلب” هي مغامرة غير مأمونة العواقب. إن البديل المنطقي هو التحول نحو “الاعتماد على الذات” وتنويع التحالفات الدولية بحيث لا تظل كل الأوراق في سلة واحدة. فالردع الحقيقي لا يمكن استيراده، بل يُبنى من خلال تكامل إقليمي وقوة ذاتية تنبع من المصالح الوطنية المشتركة، بعيداً عن الإملاءات التي تصيغها أمريكا لخدمة أجندتها. وفي نهاية المطاف، يبقى الدرس الأهم: من يضع مصيره في يد “ناقضة العهود” يجب أن يتوقع “اللطمة على الخد” في لحظة الحاجة، فالتاريخ لا يحابي من يرفض قراءته، والمصائر لا تُبنى على الوعود بل على الوعي الاستراتيجي المستقل.

قد يعجبك ايضا