احتجاج الثعالب وانقلاب الموازين

طاهر محمد الجنيد

في نظرة استشرافية للمستقبل، تحدث رئيس الوزراء التركي الراحل نجم الدين أربكان قبل أكثر من عقدين من الآن قائلا: إن أمريكا ستسعى لغزو إيران بإرسال البوارج وحاملات الطائرات إلى مياه الخليج والبحار العربية وستقصف طهران منها ، وتحدث عن اختلال موازين القوة لصالحهم، لأنهم يمنعون الأمتين العربية والإسلامية عن صناعة أسلحتهم؛ أما إسرائيل فقال إنها لا تفهم سوى لغة القوة ولا تتعامل إلا بها؛ ودعا إلى الاستفادة من التكنولوجيا التي ستحدد مصادر القوة ومحور المواجهة، فإذا اطلقت علينا الصواريخ، كيف يمكن إعادة توجيهها وتدمير مصدرها، لم يستمر طويلا في السلطة فتم الانقلاب عليه وحل حزبه ومنعه من ممارسة العمل السياسي وإيداعه السجن، لأن تصريحاته وتحركاته كانت تمثل خطراً استراتيجيا على المشاريع الاستعمارية ومنها سعيه لإنشاء سوق إسلامية مشتركة على غرار السوق الأوروبية .
في إيران قبل الثورة، فاز الدكتور محمد مصدق بالانتخابات وتولى رئاسة الوزراء وكانت الشركات البريطانية تستحوذ وتحتكر استخراج وتصدير البترول الإيراني، فأصدر قرار التأميم لصالح الشعب الإيراني وهنا تعاونت المخابرات الأمريكية والبريطانية في إسقاطه وتنصيب إمبراطور تحت إشراف وحماية تلك المخابرات، وحينما قامت الثورة أنهت تلك السيطرة والاستحواذ والهيمنة والنفوذ، مما جعل تحالف الإمبراطوريات الاستعمارية يستخدم أسلوب تجميد الأرصدة التي تراكمت في بنوكهم ولازالت محتجزة حتى الآن؛ وفرضوا الحصار التكنولوجي والاقتصادي من أجل إخضاع وتركيع الثورة الإسلامية كي تسلم بمطالبهم ومنها فتح علاقات مع الكيان الصهيوني واستكمال خطوات التغريب التي بدأها نظام الشاه، لكن قيادة الثورة  لم تستجب لهم.
ثروات العالم يريدون السيطرة عليها بكل الوسائل والسبل ويريدون التحكم بكل ما يؤمن استمرار هيمنتهم ونفوذهم ويعملون على إسقاط كل الأنظمة التي تعارضهم مهما كانت، عندما أممَّ الزعيم جمال عبدالناصر قناة السويس، شن العدوان الثلاثي على مصر من قبل (بريطانيا وفرنسا وكيان الاحتلال ) واكتفت الإمبراطورية الأمريكية بالإمداد والدعم اللوجستي مع استعدادها للتدخل إذا استدعى الأمر ذلك، أما اليوم، فدول التحالف تكتفي بجهود أمريكا وكيان الاحتلال، لكنها لن تتأخر إن طلبت منها المشاركة المباشرة، لأنهم جميعا شركاء في الأرباح والغنائم عند سقوط الضحايا.
الثروات والمعادن وكل مصادر القوة والتحكم، تعتبر من المهام الاستراتيجية التي يجب الاستيلاء عليها بالحروب والتهديد وإسقاط الأنظمة.. الرئيس الفنزويلي الراحل هوجوشافيز أممَّ النفط ولم تستطع أمريكا الإطاحة به، لكنها الآن وجدت الظروف مناسبة، فأسقطت النظام واقتادت الرئيس مادورو أسيرا لديها وفرضت سيطرتها بالقوة والعدوان ولا زال القرصان (ترامب ) يطلق تهديداته على كل من يعارضه، يفرض الحصار على كوبا ويهدد كولومبيا.
التحالف الإجرامي يشيطن كل الأنظمة والهيئات والمؤسسات التي تتعارض مع سياساته التوسعية التي تستهدف تدمير الشعوب والأمم وجعلها فريسة سهلة، لأن ذلك يسهل مهمتهم ويمهد لهم في بسط سيطرتهم، فباعتراف ضابط المخابرات الأمريكية جون كرياكو (أن أفغانستان كانت تزرع أكثر من 93 %من الأفيون تحت الاحتلال الأمريكي)، وحين أراد أن ينشر تقريره مُنع من ذلك وأُخبر بأن كل ذلك يتم تصديره إلى إيران وروسيا، لكن بعد سيطرة طالبان تم القضاء على هذه التجارة تماما؛ كرياكو اتهم الصين والمكسيك بإغراق السوق الأمريكية بالمواد المخدرة وهو ما يعيد إلى الأذهان حرب الأفيون التي استخدمتها الإمبراطورية البريطانية في إخضاع الصين وتدميرها بعد احتلالها وذلك من أجل استمرار استعمارها.
من المفارقات التي يدركها الجميع، أنهم يراقبون كل القوى الفاعلة ويرسمون الخطط للقضاء عليها ويدعمون كل الحركات التي تخدم توجهاتهم في تمزيق المجتمعات .
يرون في اتحادهم وتحالفاتهم الاقتصادية والسياسية والعسكرية أمراً مشروعاً وواجباً ولا يسمحون بأي خطوات تقارب أو اتحاد بين الأنظمة والشعوب العربية والإسلامية؛ يدعمون كل الخونة والعملاء من أجل تمكينهم من السيطرة على الحكم ومقاليد السلطة، لكي يمنعوا تحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي والتكنولوجي حتى تستمر سيطرتهم إلى ما لا نهاية.
لقد رسموا استراتيجيتهم السابقة بناء على مؤتمر كامبل بنرمان وحولوا وعد بلفور إلى حقيقة واقعية يمثلها كيان الاحتلال والآن يريدون رسم استراتيجيتهم للمرحلة القادمة بتحويله إلى حقيقة دينية، فالتوسع وارتكاب أبشع الجرائم، يتعارض مع وعد لا قيمة له في القانون الدولي خاصة مع انكشاف زيف الادعاءات التي خدع بها الرأي العام العالمي.
محور المقاومة، يمثل اليوم التهديد الأكبر لاستمرار المشروع الاستعماري الاستيطاني .
التحالف يعول على التحرك الأمريكي وكيان الاحتلال في التحركات العدوانية، لكن الجميع ينتظرون الفرصة للتدخل في أية لحظة لإتمام مشاريعهم الإجرامية، فالسيطرة على مضيق هرمز والتحكم فيه يمثل إنجازا عظيما لهم وتدمير محور المقاومة، لأنها الحصن المتبقي أمامهم.
التحالف يمارس وصايته على الأنظمة العربية والإسلامية ويعتبر كل تقارب بينهم خطرا استراتيجيا عليهم، رغم إمكانياتهم وسيطرتهم، لكن تعاونهم علي ممارسة كل أنواع الإجرام في حقوق الآخرين لا غبار عليه.. صحيفة معاريف ومثل ذلك صحيفة هارتس اليهوديتان الصادرتان في فلسطين المحتلة حذرتا التحالف من خطوات التقارب بين (تركيا وباكستان والسعودية ومصر)، لأنها في المستقبل ربما تشكل تحالفا عسكريا علي غرار الناتو، يضم قوى إقليمية غير مسبوقة قد تستغل الانسحاب التدريجي لأمريكا وانهيار محور المقاومة لضمان وتحقيق استقلالية أمام القوى الكبرى؛ المطلوب تدمير هذا التحالف حتى لا يشكل خطرا مستقبليا عليهم، فإذا كان محور المقاومة يشكل تهديدا شيعيا فإن هذا التحالف يشكل تهديدا سنيا وفق تصوراتهم .
تركيا وباكستان هما الهدف القادم الذي يجب تدميره بعد إيران ومحور المقاومة، والتهيئة بدأت من الآن .
الإمبراطوريات الاستعمارية، اكتفت خلال السنوات الماضية بالدعم اللوجستي والمراقبة، لكنها بدأت تتحرك لضمان مكان لها في خارطة المستقبل التي يتقدم فيها كيان الاحتلال وأمريكا القطيع في العدوان على إيران والسعي للقضاء على محور المقاومة مع تأييدهم لانهم يرون أنهم بادروا بالعدوان دون استشارتهم ودون منحهم الوقت الكافي لتهيئة الرأي العام ودون غطاء من الأمم المتحدة لكنهم مع ذلك يجيزون للدول المشاركة المنفردة لتلافي التهديدات التي اطلقها ترامب بأنه لن يشركهم في الغنائم والمكاسب التي يسعى لتحقيقها .
الإمبراطوريات الأوروبية فرنسا استعادت سيطرتها على مالي بالانقلاب علي الانقلاب وطرد الجنود الموالين للروس، لأنها تعتبر المورد الأساسي للذهب الفرنسي وبريطانيا ذهبت لتطمين حلفائها في الخليج بأنها ستدافع عنهم وليس كما فعلت أمريكا حينما تخلت عنهم لصالح حماية كيان الاحتلال والدفاع عنه وكل ذلك من اجل منع أي تمدد للصين وروسيا وتركيا وغيرها من القوى التي ترفض هيمنة التحالف وتسعى لإثبات تواجدها على مسرح السياسة العالمية كقوى سياسية فاعلة .
كثير من ساسة اليهود يرفضون السياسة الصهيونية التي يسير عليها التحالف، فالكاتب اليهودي غلين جريولد قال: إن إسرائيل أخطر على الغرب وعلي امريكا بكثير، لأنها تمتلك ترسانة نووية ويقودها مجموعة من المتطرفين الدينيين والسياسيين، لقد شنت خلال ثلاث سنوات حروباً عدوانية على ثمانية بلدان وسرقت الأراضي التابعة لسوريا ولبنان وأبادت غزة ولها تاريخ طويل في نهب الأراضي وفرض سياسات توسعية في المنطقة .
الحروب الإجرامية يراد منها ترتيب أوضاع التحالف للسنوات القادمة وهو ما يؤكده داعم الإجرام الصهيوني السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام، والمشكلة ليست في الممرات البحرية والمضائق المائية، لكن المشكلة في السعي للسيطرة عليها وتسخيرها لخدمة المشاريع الاستعمارية الجديدة واللوم لا يجب أن يوجه للدول التي تحمي سيادتها، بل للإجرام والمجرمين الذين يسعون في الأرض فسادا .

قد يعجبك ايضا