لم تكن تصريحات “دونالد ترامب” الأخيرة ضد سلفيه (أوباما وبايدن) مجرد نوبات غضب عابرة أو مناكفات سياسية معتادة، بل هي “نواح الفشل” وصرخة الصدمة التي تعرّي هشاشة موقفه أمام واقع إقليمي احتدّ بلهيب المواجهة، واستفزّ ردة فعلٍ زلزلت عروش حساباته. إن لجوء القائد إلى “شيطنة” من سبقوه لتبرير حراقه السياسي ليس إلا اعترافاً ضمنياً بأن سياساته الحالية تترنح فوق ركام من الأخطاء التراكمية.
أولاً: الهروب إلى الماضي.. استراتيجية العاجز
إن الإشارة المتكررة للمسؤوليات التاريخية لمن سبقوه هي محاولة يائسة لتقاسم اللوم وتوزيع صكوك الفشل على الآخرين. هذا الأسلوب قد ينجح في دغدغة مشاعر القاعدة الشعبوية، لكنه يسقط سقوطاً ذريعاً أمام القوى الدولية والتحالفات التي تبحث عن مشروع واقعي لا عن “بروباغندا” تبحث عن كبش فداء.
ثانياً: “المفاجأة” الصادمة.. اعتراف بالفشل الاستخباراتي
عندما يخرج “ترامب” ليقول إنه «تفاجأ» بالرد الإيراني الحازم، فهو يوقع بيده على شهادة وفاة الرؤية الاستخباراتية الأمريكية. القادة الحقيقيون لا يُفاجأون؛ بل يقرأون الميدان بدقة. وصف الهجمات الإيرانية بأنها «أكبر مفاجأة» هو اعتراف علني بـ الفراغ الاستراتيجي واستخفاف قاتل بقدرة الخصم على الصمود والرد النوعي.
ثالثاً: خديعة “الإمدادات اللانهائية” وجيل الصواريخ المرعب
يتبجح ترامب بامتلاك “ذخائر لا نهائية”، وهي لغة هدفها تخدير الداخل الأمريكي، لكنها تطرح تساؤلات وجودية عن جدوى استنزاف الأمة في حروب بلا أفق. وبينما يتحدث هو عن الكم، تفرض الجمهورية الإسلامية الإيرانية واقعاً كيفياً جديداً؛ فالعالم اليوم لا يواجه إيران التي عرفتها الاستخبارات القديمة.
المرحلة الأولى: صواريخ من الطراز القديم أربكت الموازين.
الجيل الثاني والثالث: ترسانة من الصواريخ والمسيرات الذكية التي تدخل الخدمة تباعاً، حيث يمتلك كل جيل قدرة تدميرية وتكنولوجية تتجاوز سابقه بمراحل، مما يجعل الدفاعات الجوية المعادية مجرد “ألعاب أطفال”.
رابعاً: الارتباك الكبير.. صراخ في “تل أبيب” وضياع في واشنطن
إن الصمود الإيراني المذهل لم يربك السياسات العالمية فحسب، بل وضع “ترامب” في حالة من التخبط بين ضغوط الداخل وانقساماته الحزبية، وبين صراخ الكيان الصهيوني الذي يستغيث طلباً للنجدة والبحث عن مخرج من مأزق لم يحسب له حساباً.
“إن الثمن الذي تدفعه أمريكا اليوم ليس خارجياً فحسب، بل هو شرخ داخلي يتسع بين القيادة والمؤسسات، ومغامرة قد تكلف الاقتصاد والأمة ثمناً باهظاً.”
الختام: الميدان هو الحكم
لقد ولَّى زمن “التغريدات” التي ترسم السياسات؛ فإيران اليوم تتوجه نحو القواعد الأمريكية في الدول التي فتحت أجواءها، ولن تتوقف عند هذا الحد. إن الرسالة واضحة: بعد تطهير القواعد، ستكون الأساطيل والقطع البحرية أهدافاً مشروعة لصواريخ بعيدة المدى مخصصة للأهداف المتحركة.
إن قراءة المشهد بوضوح تؤكد أن من يريد القيادة عليه تحمل مسؤولية أفعاله، لا التباكي على التاريخ. إن الصمود الإيراني ليس مجرد ثبات عسكري، بل هو إعلان عن ميلاد موازين قوى جديدة أذلت المتغطرسين وغيَّرت وجه المنطقة للأبد.
