اقرأوا تاريخ الصراعات جيداً

مراد راجح شلي

 

 

في كل الحروب كانت هناك لحظة فاصلة
لحظة ينقلب فيها المشهد بالكامل وتتبدل فيها مواقع القوة والضعف وتصبح الخرائط التي بدت ثابتة مجرد أوراق تتطاير مع أول ريح
ما يحدث اليوم ليس مجرد جولة قتال عابرة
بل لحظة تحول قاسية
لحظة خرجت فيها إيران من صورة الدولة التي كانت تتلقى الضربات وتدافع عن نفسها
إلى لاعب يفرض الإيقاع ويرسم خطوط النار بنفسه
يضرب حيث يشاء
ويختار توقيت الضربة ونوعها ومساحتها
هذا التحول لم يكن عسكرياً فقط
بل نفسياً أيضاً
ففي الحروب الحديثة
الصدمة الأولى ليست في عدد الصواريخ
بل في انهيار اليقين.
في تلك اللحظة التي يدرك فيها الخصم أن حساباته القديمة لم تعد صالحة
وأن كل ما بناه من ردع صار مجرد وهم
لهذا بدا المشهد مرتبكاً
حتى لدى أكثر السياسيين صخب
فدونالد ترامب الذي اعتاد لغة الاستعراض والتهديد
اختار الصمت فجأة
كأن الكلمات نفسها لم تعد تجد مكاناً تقف عليه
وكأن الضجيج الذي كان يصنعه تحول إلى فراغ ثقيل
الصمت هنا ليس هدوءاً
بل اعتراف غير معلن بأن المعادلة تغيرت
وأن الحسابات التي بُنيت على التفوق المطلق بدأت تتصدع
وفي الجهة الأخرى
يبدو بنيامين نتنياهو غارقاً في مأزق تاريخي
ليس لأنه خسر معركة واحدة
بل لأنه اكتشف أن الحرب التي أشعلها لم تعد تحت سيطرته
وأن النار التي اعتقد أنها ستبقى داخل حدود خصومه
بدأت تقترب من جدرانه
في الحروب القديمة كان القادة يخشون الهزيمة العسكرية فقط
أما اليوم فهم يخشون ما هو أخطر
انهيار الهيبة
سقوط صورة القوة التي بُنيت عبر عقود
فالقوة ليست مجرد سلاح
بل سردية نفسية يعيش داخلها الخصوم قبل الحلفاء
وحين تتشقق هذه السردية
يصبح أي انتصار تكتيكي بلا معنى
وتتحول كل ضربة إلى سؤال أكبر
من يملك زمام المبادرة الآن
العصف الذي نشهده ليس مجرد انفجار صواريخ
بل انفجار في ميزان الردع ذاته
فكل ضربة تعني رسالة
وكل رسالة تعني أن زمن السيطرة الأحادية يقترب من نهايته
لقد تغيرت قواعد اللعبة
لم يعد الطرف الذي يبدأ النار هو من يحدد نهايتها
بل من يملك القدرة على الصبر
وعلى تحمل كلفة الاستمرار
وعلى تحويل الألم إلى طاقة ضغط طويلة الأمد
وهذه هي الحقيقة التي يتجاهلها كثيرون
أن الحروب لا يحسمها السلاح وحده
بل النفس الأطول
والقدرة على إدارة الزمن
ومن يقرأ التاريخ جيداً
يعرف أن الشرارة الأولى للحرب
نادراً ما تكون بيد من يخرج منها أقوى
فالذين يشعلون الحرائق معتقدين أنهم بعيدون عن لهيبها
ينسون قاعدة قديمة جداً
النار لا تعترف بالمسافات
ولا بالنيات
ولا بالخطط المكتوبة في غرف مغلقة
إنها تتحرك وفق قانون واحد فقط
كل من أشعلها
سيكتشف عاجلاً أم آجلاً
أنه أول من ستحرقه.

قد يعجبك ايضا