لم يكن قرار المحكمة العليا الأمريكية بإبطال الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها الرئيس دونالد ترامب مجرد خلاف قانوني عابر، بل لحظة كاشفة لعمق الصراع داخل الدولة الأمريكية نفسها. فالمعركة لم تكن حول بضائع تعبر الموانئ، ولا حول نسب مئوية تُضاف إلى فواتير الاستيراد، بل حول سؤال السلطة: من يملك قرار المال؟ ومن يحدد كلفة المواجهة الاقتصادية مع العالم؟
ترامب أراد أن يحوّل الجمارك إلى سلاح سيادي شامل، أداة ضغط تعيد رسم خرائط التجارة الدولية تحت عنوان “المعاملة بالمثل” و”الطوارئ الوطنية”، فرض رسومًا واسعة طالت معظم الشركاء التجاريين، في خطوة حملت طابعًا سياسيًا بقدر ما حملت بعدًا اقتصاديًا. غير أن المحكمة قالت كلمتها الحاسمة: الدستور واضح، وسلطة فرض الضرائب – بما فيها الرسوم الجمركية – تعود إلى الكونغرس، لا إلى قرار تنفيذي منفرد مهما كانت مبرراته.
بهذا الحكم، لم تُسقط المحكمة سياسة تجارية فحسب، بل أعادت تثبيت مبدأ دستوري عميق: الطوارئ لا تُنشئ صلاحيات جديدة، ولا يمكن أن تتحول إلى بوابة مفتوحة لتجاوز المشرّع. فالضرائب ليست أداة تفاوض سياسي، بل قرار يمس جيوب المواطنين واستقرار الأسواق، ومن ثم لا بد أن يمر عبر المؤسسة المنتخبة التي تمثل الإرادة الشعبية.
لكن ما وراء الحكم أخطر من نصّه، فحين تدخل أكبر قوة اقتصادية في العالم في صراع داخلي حول حدود السلطة الاقتصادية، فإن الرسالة التي تصل إلى الأسواق العالمية لا تكون محايدة. المستثمر لا يخشى الرسوم بقدر ما يخشى عدم اليقين. والشركات لا ترتبك من نسبة جمركية بقدر ما ترتبك من احتمال تغير القواعد فجأة، أو إبطالها بعد أشهر بقرار قضائي.
هل يمكن أن تهتز الإمبراطورية من بوابة الاقتصاد؟ السؤال يبدو مبالغًا فيه، لكن التاريخ يعلّمنا أن التصدعات الكبرى تبدأ أحيانًا من خلل في إدارة القوة المالية. الولايات المتحدة بنت نفوذها على أكثر من حاملات الطائرات والدولار؛ بنته على استقرار القواعد، ووضوح توزيع السلطات، وثقة العالم بأن قراراتها لا تُدار بردود أفعال آنية.
المفارقة أن الرئيس الذي أسهم في تشكيل أغلبية محافظة داخل المحكمة وجد نفسه أمام مؤسسة لم تنحز له، بل انحازت للنص الدستوري. وهذا في حد ذاته وجه من وجوه قوة النظام الأمريكي. غير أن تكرار المواجهات بين البيت الأبيض والكونغرس، واستخدام قوانين الطوارئ كجسر لتوسيع الصلاحيات، قد يفتح نقاشًا داخليًا أعمق حول طبيعة السلطة وحدودها، وقد يُغذي خطابًا يعتبر أن القيود الدستورية تعرقل “الحسم” المطلوب في عالم سريع التغير.
الجمارك اليوم ليست مجرد أداة مالية، بل عنصر في حرب اقتصادية عالمية تتشابك فيها سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة والتكنولوجيا. وأي قرار أحادي واسع النطاق قد يرتد على صاحبه قبل أن يصيب خصومه. فإذا أُديرت هذه الأدوات خارج إطار توافقي مؤسسي، فإنها تتحول من وسيلة حماية إلى عامل اضطراب داخلي وخارجي معًا.
ومع ذلك، فإن ما جرى يمكن قراءته من زاويتين متقابلتين: إما بوصفه مؤشرًا على تصدع داخلي يعكس احتدام الصراع بين السلطات، أو دليلًا على أن المؤسسات ما تزال قادرة على تصحيح المسار ومنع تغوّل أي سلطة على أخرى. الفارق بين القراءتين هو الفارق بين دولة تدخل مرحلة اهتزاز، ودولة تُعيد تثبيت توازنها.
في النهاية، حرب الجمارك ليست مجرد نزاع حول الرسوم، بل معركة على تعريف القوة نفسها. فإذا أصبحت السياسة الاقتصادية رهينة قرارات تنفيذية متقلبة، فإن صورة الاستقرار الأمريكي ستتآكل تدريجيًا. أما إذا بقي الدستور هو الحكم الفصل، وبقيت المؤسسات قادرة على فرض حدوده على الجميع، فإن الإمبراطورية لن تهتز من بوابة الاقتصاد، بل ستخرج من العاصفة أكثر وعيًا بحدود سلطتها.
الأيام القادمة وحدها ستكشف الاتجاه الحقيقي: هل كان الحكم بداية تصحيح عميق يعزز صلابة النظام، أم شرارة لصراع أطول قد يترك أثره في ثقة الداخل والخارج معًا؟ ما هو مؤكد أن الاقتصاد لم يعد مجرد أرقام في جداول، بل ساحة اختبار حقيقية لمتانة الدولة. ومن بوابة الجمارك تحديدًا، يُعاد اليوم طرح سؤال النهاية.
