من اليابان إلى العراق .. نموذج الهيمنة الأمريكية وتحدي معركة الوعي

عبدالحكيم عامر

 

 

أكد السيد القائد، في قراءة عميقة لمسار الصراع مع المشروع الأمريكي، حقيقة جوهرية كثيرًا ما تُغفل أو يُتعمد طمسها، وهي أن السياسات الأمريكية عبر التاريخ لم تكن يومًا استجابات ظرفية أو أخطاء معزولة، بل نموذج ثابت للهيمنة، يتكرر بأشكال مختلفة وفق مقتضيات الزمان والمكان، واستحضار نماذج تاريخية كبرى شكّلت محطات فارقة في مسار التدخلات الأمريكية مثل اليابان، فيتنام، والعراق لم يكن استدعاءً تاريخيًا عابرًا، بل تشريح واعٍ لمسار واحد، تتغير فيه الأدوات والذرائع، بينما يبقى الهدف ثابتًا: السيطرة، والإخضاع، وإعادة تشكيل الدول والشعوب بما يخدم المصالح الأمريكية.
في اليابان، استُخدم السلاح النووي تحت عنوان إنهاء الحرب وتحقيق السلام، لكن الحقيقة أن ما تلا ذلك كان إعادة هندسة شاملة للدولة سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، وتحويلها إلى قاعدة متقدمة للمصالح الأمريكية في آسيا، لم يكن الهدف السلام، بل فرض نموذج التبعية طويلة الأمد، وإلغاء أي إمكانية لقرار سيادي مستقل.
وفي فيتنام، رفعت واشنطن شعار “الدفاع عن العالم الحر”، لكنها خاضت واحدة من أكثر الحروب دموية في القرن العشرين، مستخدمةً كل أشكال الإبادة والتدمير، من القصف المكثف إلى الأسلحة الكيميائية، انتهت الحرب بهزيمة عسكرية، لكنها كشفت للعالم أن الخطاب الأمريكي عن القيم لا يصمد أمام الواقع، وأن ما يُسمى بحماية الحرية لم يكن سوى غطاء لعدوان سافر.
أما العراق، فهو المثال الأقرب والأوضح للأجيال المعاصرة؛ حيث جرى تسويق كذبة “أسلحة الدمار الشامل” لتبرير احتلال شامل، دمّر الدولة ومؤسساتها، وفتح أبواب الفوضى والانقسام، ولا تزال تداعياته السياسية والأمنية والاجتماعية ممتدة حتى اليوم، مرة أخرى، تغيّرت الذريعة، لكن النتيجة واحدة: دولة مدمرة، شعب منهك، وثروات منهوبة.
من هذه النماذج، تتكشف الحقيقة التي شدد عليها السيد القائد: النموذج الأمريكي واحد، قائم على القوة العسكرية، والضغط السياسي، والاختراق الثقافي، وتوظيف الإعلام كأداة تهيئة وتبرير، وهنا تبرز خطورة المرحلة، لأن الحروب الحديثة لم تعد تقتصر على الدبابات والطائرات، بل أصبحت حروب وعي ورواية بامتياز.
وانطلاقًا من هذه القراءة، جاء التأكيد الواضح والمباشر على دور وسائل الإعلام، بوصفها خط الدفاع الأول في معركة الوعي، فالإعلام الأمريكي والغربي الموالي له لا يكتفي بنقل الأحداث، بل يصنع السردية، ويعيد تعريف المعتدي كمنقذ، والضحية كخطر، والاحتلال كحاجة إنسانية، وفي المقابل، تصبح مسؤولية الإعلام الحر والواعي أن يكشف هذا التزييف، وأن يفضح التناقض الصارخ بين الخطاب الأمريكي المليء بمفردات السلام وحقوق الإنسان، وبين ممارساته الواقعية القائمة على الحروب، والعقوبات، والانقلابات، وتغذية الصراعات الداخلية.
إن المطلوب اليوم إعلام لا ينخدع بالشعارات، ولا يتحول إلى صدى للرواية الجاهزة، بل إعلام يمتلك الجرأة على تسمية الأشياء بأسمائها، ويُظهر الولايات المتحدة على حقيقتها كـقوة للهيمنة والاستحواذ، لا كراعٍ للسلام ولا كحامٍ للاستقرار الدولي، إعلام يربط ما يجري اليوم بما جرى بالأمس، ويُفهم الشعوب أن الأزمات الحالية هي نتيجة سياسات مدروسة ومتكررة.
في المحصلة، لا يمكن فهم ما يجري اليوم بمعزل عن دروس التاريخ التي تتكرر بوجوه مختلفة، لكنها تصدر عن عقلية واحدة ومنهج واحد، فالمشروع الأمريكي، كما تكشفه تجارب اليابان وفيتنام والعراق، لم يكن يومًا مشروع سلام أو استقرار، بل مشروع هيمنة يقوم على القوة، والتضليل، وإعادة إنتاج الأزمات بما يخدم مصالحه، ومن هنا، فإن معركة اليوم ليست عسكرية فحسب، بل هي معركة وعي ورواية، يكون فيها الإعلام الحر والمسؤول خط الدفاع الأول في كشف الحقيقة وفضح التناقض بين الخطاب والممارسة، وحين تمتلك الشعوب وعيها، وتسقط الأقنعة عن السياسات المضللة، تفقد الهيمنة أهم أدواتها، ويصبح كسر دائرة الاستهداف والتضليل خطوة ممكنة في طريق التحرر واستعادة القرار والسيادة.

قد يعجبك ايضا