تعطيش غزة.. حرب صهيونية خفية مستمرة لا تلتقطها عدسة الكاميرا

الثورة  /متابعات

في الوقت الذي تركز فيه عدسات الكاميرات على الدمار والقصف، تخوض غزة حربا أخرى لا تقل فتكا، لكنها صامتة وبطيئة هي حرب التعطيش.

استهداف ممنهج لآبار المياه، تدمير للشبكات، ومنع للوقود والصيانة، حوّل المياه من حق إنساني أساسي إلى أداة ضغط وعقاب جماعي.

من مدينة غزة شمالا إلى خيام النازحين في مواصي خانيونس جنوبا، تتكشف ملامح سياسة صهيونية تستخدم العطش كسلاح خفي، ينهك السكان ويضاعف معاناتهم بعيدا عن ضجيج الصورة، في واحدة من أخطر فصول الحرب على الحياة في قطاع غزة.

أرقام صادمة

وتشير المعطيات الحديثة المنشورة في أعقاب الحرب والأحداث الإنسانية الكارثية في قطاع غزة، إلى انخفاض حصة الفرد من المياه بشكل حادّ إلى مستويات تعتبر بعيدة جدًا عن الاحتياجات الأساسية.

وحسب بيانات رسمية من الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة المياه الفلسطينية، فإن حصة الفرد اليومية من المياه في قطاع غزة تتراوح بين 3 -5 لترات فقط في المتوسط، وهذه الكمية تختلف حسب مستوى الدمار في كل منطقة داخل القطاع.

وتعد هذه الحصة أقل بكثير من الحد الأدنى الإنساني الذي توصي به منظمة الصحة العالمية في حالات الطوارئ والمقدرة بحوالي 15 لترا للفرد يوميا لتلبية الاحتياجات الأساسية من الشرب والطهي والنظافة.

ووفق بعض الإحصاءات المنشورة قبل حرب الإبادة على غزة، كان متوسط الحصة اليومية في غزة أعلى بكثير، ووصل إلى نحو 80–90 لتر يوميًا، لكنه انخفض بشكل حاد خلال الحرب بسبب تدمير البنية التحتية وشبكات الإمداد.

حرب خفية

المتحدث باسم بلدية غزة، حسني مهنا، قال إن الاحتلال الإسرائيلي ينفذ حربًا خفية ومنهجية ضد مدينة غزة عبر استهداف قطاع المياه، ما أدى إلى تعطيش مئات آلاف المواطنين وحرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية، في واحدة من أخطر أدوات العقاب الجماعي غير المرئية إعلاميا.

وأوضح “مهنا”، في حديث خاص، أن أكثر من 70% من آبار المياه التابعة لبلدية غزة خرجت عن الخدمة نتيجة القصف المباشر أو تدمير شبكات الكهرباء المغذية لها، إضافة إلى منع الاحتلال إدخال الوقود اللازم لتشغيل الآبار المتبقية، ما تسبب في انخفاض حاد بكميات المياه المنتجة.

وأشار إلى أن كمية المياه التي تصل حاليًا للمواطنين لا تتجاوز 20–25% من الاحتياج الفعلي، في حين أن بعض الأحياء لا تصلها المياه إلا مرة واحدة كل عدة أيام، وأحيانًا لعدة ساعات فقط، ما يفاقم معاناة السكان خاصة الأطفال والمرضى.

وبين “مهنا”، أن الاحتلال دمّر أجزاء واسعة من شبكات التوزيع الرئيسية والفرعية، ما أدى إلى فقدان كميات كبيرة من المياه قبل وصولها للمنازل، فضلًا عن تسرب المياه الملوثة إلى الشبكات السليمة، ما يشكل خطرًا صحيا كبيرا.

ولفت إلى أن الاحتلال يمنع طواقم البلدية من الوصول إلى العديد من مواقع الأعطال والصيانة، ويستهدف بشكل متكرر المعدات والآليات المخصصة لإصلاح شبكات المياه، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.

وأكد “مهنا”، أن أزمة المياه في غزة لم تعد أزمة خدمات، بل كارثة إنسانية وصحية، حيث اضطر آلاف المواطنين للاعتماد على مياه غير صالحة للشرب أو شراء المياه بأسعار تفوق قدرتهم، في ظل الانهيار الاقتصادي الكامل.

وحمّل المتحدث باسم بلدية غزة، الاحتلال المسؤولية الكاملة عن هذه الجريمة الصامتة، مشددًا على أن تعطيش المدنيين يُعد جريمة حرب، تستخدم فيها المياه كسلاح للضغط والإخضاع الجماعي.

وطالب مهنا المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية بالتدخل العاجل لإجبار الاحتلال على وقف استهداف قطاع المياه، والسماح بإدخال الوقود ومواد الصيانة، وإنقاذ مدينة غزة من كارثة عطش تهدد حياة سكانها بشكل مباشر.

تدهور خطير

من جهته، قال سلامة شراب، مدير دائرة المياه في بلدية خانيونس، إن منطقة المواصي غرب خانيونس، التي تأوي قرابة 700 ألف نازح، تعيش واحدة من أقسى أزمات العطش في قطاع غزة، نتيجة التدمير الواسع الذي ألحقه الاحتلال الإسرائيلي بالبنية التحتية للمياه.

وأوضح “شراب”، أن الاحتلال دمّر بشكل مباشر أو غير مباشر نحو 80% من آبار المياه في محافظة خانيونس، ما أدى إلى شلل شبه كامل في القدرة على توفير المياه للسكان والنازحين، خاصة في المناطق الغربية والجنوبية.

وأضاف أن عددا من الآبار المتبقية لا تزال تقع خلف ما يُعرف بالمنطقة الصفراء الخاضعة لسيطرة الاحتلال، ما يمنع طواقم البلدية من الوصول إليها وتشغيلها أو صيانتها، رغم الحاجة الملحة إليها في ظل الكثافة السكانية الهائلة في المواصي.

وبين “شراب” أن النازحين في المواصي يعتمدون على كميات محدودة جدًا من المياه، لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية، حيث تُستخدم المياه للشرب والطهي فقط، بينما تُهمل باقي الاحتياجات الصحية.

ولفت إلى أن غياب المياه النظيفة أدى إلى تدهور خطير في الوضع الصحي والبيئي، مع انتشار الأمراض الجلدية والمعوية، خاصة بين الأطفال وكبار السن، في ظل انعدام وسائل النظافة الأساسية.

وأكد “شراب” أن تدمير شبكات المياه ومحطات الضخ ترافق مع تدمير طرق الوصول إليها، واستهداف آليات البلدية، ما يجعل أي محاولة لإصلاح الأعطال محفوفة بالمخاطر أو مستحيلة في كثير من الأحيان.

وحذر من أن استمرار هذا الوضع ينذر بكارثة إنسانية غير مسبوقة، مشددًا أن استخدام المياه كسلاح ضد المدنيين والنازحين يمثل انتهاكًا فاضحًا لكل القوانين والمواثيق الدولية.

وطالب مدير دائرة المياه في بلدية خانيونس بتدخل دولي فوري لحماية مصادر المياه، وضمان وصول الطواقم الفنية إلى الآبار، وتوفير الدعم العاجل لإنقاذ مئات آلاف النازحين في المواصي من العطش والمرض.

وختاما.. إن هذه دعوة لمن يعتقد أن حرب غزة انتهت، للتحقيق والتدقيق في حروب قاتلة لم تتوقف تستهدف حياة الإنسان وتحيل حياته إلى موت بطيء لا يرحم والأخطر أنها تقتل الفلسطيني في غزة بصمت ودون تغطية أو زخم إعلامي.

قد يعجبك ايضا