ابتزاز وحروب.. إلى أين تقود أمريكا نفسها؟

محمد عبدالمؤمن الشامي

 

في عهد دونالد ترامب، لم تعد الولايات المتحدة مجرد قوة عالمية متوازنة، بل تحولت إلى لاعب صادم يعامل العالم بالتهديد والابتزاز، من أقرب الحلفاء إلى أبعد الخصوم. الرسوم الجمركية التي تهدد الاقتصاد العالمي، الاستعراض العسكري في الشرق الأوسط، ومحاولات السيطرة على موارد الدول الأخرى، كلها تشير إلى نموذج جديد من السياسة الأمريكية: القوة العارية والضغط السياسي بدلاً من الشراكة والتفاهم.

داخل أمريكا نفسها، الانقسامات الاجتماعية تتفاقم، والاحتجاجات تتصاعد، والمؤسسات تفقد مصداقيتها، في انعكاس صارخ لأزمة بنيوية تهدد استقرار الدولة. أمام هذا المشهد المزدوج، يتضح سؤال جوهري: هل تقود سياسات ترامب أمريكا نحو استعادة “العظمة” المزعومة، أم نحو الانهيار والفوضى؟ العالم بأسره يترقب، فكل خطوة أمريكية اليوم تحمل تداعيات قد لا تقتصر على الداخل الأمريكي، بل تهز توازن القوى العالمي بأسره.

تهديد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على السلع الكندية في حال إبرامها اتفاقًا تجاريًا مع الصين ليس مجرد خلاف اقتصادي عابر، بل إعلان صريح لحرب اقتصادية حتى ضد أقرب الحلفاء. فالولايات المتحدة، في عهد ترامب، لم تعد تقبل بعالم متعدد الشراكات أو المصالح، بل تريد فرض وصايتها الاقتصادية بالقوة والابتزاز. هذا السلوك يكشف بوضوح أن واشنطن لم تعد واثقة من قدرتها التنافسية، فلجأت إلى التهديد بدلاً عن الشراكة، وإلى العقاب بدلاً عن القواعد.

وفي سياق الحرب الاقتصادية نفسها، أعلن ترامب فرض رسوم جمركية جديدة قد تصل إلى 25% على المنتجات المستوردة من مجموعة من الدول الأوروبية، بينها بريطانيا وفرنسا، مشترطًا تعليق هذه الرسوم إلى حين التوصل إلى اتفاق يفضي إلى “الشراء الكامل لغرينلاند”. هذا الإعلان كشف أن واشنطن تستخدم التعريفات الجمركية كسلاح ابتزاز سياسي مباشر حتى ضد الحلفاء التاريخيين، وقد قوبلت هذه السياسة برد أوروبي غير مسبوق، حيث تشكلت جبهة أوروبية موحدة ترفض “ابتزاز” ترامب بشأن غرينلاند، وتلوح باتخاذ إجراءات مضادة، في مؤشر واضح على تصدعات العلاقة عبر الأطلسي.

ولم يتوقف منطق الابتزاز عند حدود أوروبا الغربية، بل امتدّ شرقًا إلى ملف الحرب في أوكرانيا. فقد عرض ترامب على كييف استثمار المعادن النادرة في أوكرانيا، خطوة أثارت غضب الحلفاء الأوروبيين، الذين شبّهوا هذا النهج صراحةً بـ“تكتيكات الابتزاز” أكثر منه دعمًا استراتيجيًا أو شراكة متكافئة. هذا الطرح كشف أن واشنطن لم تعد تنظر إلى أوكرانيا كحليف أو دولة ذات سيادة، بل كخزان موارد يجب استثماره مقابل الحماية والدعم، ما عمّق الشرخ مع العواصم الأوروبية وأعاد طرح سؤال جوهري: هل ما زالت الولايات المتحدة قائدًا للتحالف، أم تحوّلت إلى مقاول صفقات لا يرى في الحلفاء سوى أوراق ضغط ومصادر ربح؟

وفي الوقت ذاته، يصعّد ترامب تهديداته ضد إيران بلغة القوة الخشنة: حديث عن “قوة عسكرية هائلة”، وحشود بحرية، وقطع حربية، وحاملة طائرات تتجه إلى المنطقة. هذا الاستعراض العسكري لا يعكس قوة بقدر ما يعكس مأزقًا استراتيجيًا خانقًا. فالإدارة الأمريكية، التي فشلت في إخضاع إيران عبر العقوبات والحصار، تحاول تعويض عجزها بالضجيج العسكري، رغم إدراكها أن أي مواجهة مباشرة قد تشعل المنطقة بأكملها، وتكشف حدود القوة الأمريكية التي لم تعد قادرة على فرض إرادتها كما في السابق.

وليس بعيدًا عن هذا السلوك العدواني، يتجلّى الوجه الأخطر للسياسة الأمريكية في تعاملها مع دول الجنوب. فقد أقدمت الولايات المتحدة على خطف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو ومحاكمته، في سابقة خطيرة تؤكد أن واشنطن لم تعد تكتفي بالعقوبات أو الحصار أو الانقلابات الناعمة، بل انتقلت صراحةً إلى منطق القرصنة السياسية العلنية. هذا الفعل يمثل انتهاكًا صارخًا لكل قواعد القانون الدولي ومبادئ السيادة الوطنية، ويبعث برسالة واضحة إلى العالم: لا حصانة، ولا شرعية، ولا سيادة عندما تتعارض مع الإرادة الأمريكية.

لكن ما يزيد المشهد خطورة، أن هذا العدوان الخارجي يتزامن مع تفكك داخلي متسارع. فالولايات المتحدة تشهد موجة احتجاجات واعتقالات في أكثر من مدينة، عقب مقتل امرأة برصاص عنصر من إدارة الهجرة والجمارك، وهي مؤسسة باتت رمزًا للقمع والعنصرية وتجاوز القانون. ولم يكن ذلك حدثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي تمارسها الأجهزة الفدرالية بحق المدنيين.

وفي مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا، أشعل مقتل المواطن الأمريكي أليكس جيفري بريتي، البالغ من العمر 37 عامًا، برصاص ضباط فدراليين، موجة غضب واسعة، أعادت إلى الواجهة جراحًا لم تندمل منذ حوادث سابقة مشابهة. مئات المتظاهرين احتشدوا في الشوارع، لا احتجاجًا على حادثة واحدة، بل على منظومة كاملة تتعامل مع المواطن باعتباره خطرًا يجب إخضاعه، لا صاحب حق يجب حمايته.

هذه الوقائع تكشف حقيقة واحدة: أمريكا في عهد ترامب تعاني من أزمة بنيوية عميقة. في الخارج، تستخدم لغة التهديد والعقوبات والخطف العسكري والسياسي، وتبتز الحلفاء عبر الاقتصاد والموارد الطبيعية. وفي الداخل، تواجه مجتمعًا منقسمًا، غاضبًا، فاقدًا للثقة بالمؤسسات، تُقابل مطالبه بالقوة والرصاص بدلا عن العدالة والمحاسبة. إنها دولة تحاول الهروب إلى الأمام عبر التصعيد، لأنها عاجزة عن تقديم حلول حقيقية.

إن سياسات ترامب، بدل أن تعيد لأمريكا “عظمتها” المزعومة، تدفعها نحو مزيد من العزلة الدولية، وتسرّع تآكل صورتها كدولة قانون، وتحوّلها إلى قوة تفرض إرادتها بالابتزاز والقوة العارية. فالحروب التجارية تستنزف الاقتصاد العالمي، والتهديدات العسكرية ترفع منسوب الفوضى، والانتهاكات الداخلية تكشف هشاشة النموذج الأمريكي الذي طالما جرى تسويقه للعالم.

أمريكا اليوم، في ظل ترامب، تقف على مفترق خطير: إما أن تراجع مسار الغطرسة والهيمنة، أو أن تستمر في الانحدار نحو التفكك والعزلة. والسؤال لم يعد فقط: إلى أين تتجه أمريكا؟ بل: من سيدفع ثمن سقوطها؟ وكيف سيبدو العالم حين تنهار الهيمنة الأمريكية ؟ الحقيقة الصادمة هي أن العالم كله، الحلفاء والخصوم على حد سواء، سيكون تحت وطأة نتائج سياسات ترامب، فيما الولايات المتحدة نفسها قد تجد أن قوتها التي طالما تفاخر بها، قد تتحول إلى عبء لا يطاق.

 

قد يعجبك ايضا