غزة.. امتحان الضمير العالمي

عادل حويس

 

غزة ليست مجرد بقعة جغرافية صغيرة على شاطئ المتوسط ولا حدثا عابرا في نشرات الأخبار بل تحولت في هذا العصر إلى اختبار أخلاقي كاشف ومرآة صافية تعكس حقيقة القيم التي يدعيها العالم المعاصر. ما يجري في غزة تجاوز حدود السياسة التقليدية والصراعات العسكرية ليصبح سؤالا وجوديا عن معنى العدالة وقيمة الإنسان وحدود الصمت وجدوى القانون الدولي حين يترك بلا روح ولا إرادة.

على مدى عقود روج النظام الدولي لمنظومة من المبادئ الكبرى: حقوق الإنسان، حماية المدنيين، حق الشعوب في تقرير مصيرها، وتجريم العقاب الجماعي. غير أن غزة وضعت هذه المبادئ في مواجهة الواقع فبان التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة. آلاف المدنيين يقتلون وملايين يحاصرون والبنية التحتية تدمر والمستشفيات تستهدف فيما يقف العالم المتحضر في أغلبه مترددا أو صامتا أو مبررا وكأن القيم تصبح انتقائية حين يتعلق الأمر بضحايا لا ينتمون إلى دوائر النفوذ والقوة.

غزة اليوم ليست فقط ضحية آلة عسكرية متفوقة، بل ضحية نظام عالمي فقد بوصلته الأخلاقية أو اختار أن يغض الطرف عنها.

فحين يبرر قتل الأطفال تحت مسمى “الدفاع عن النفس” وحين يختزل شعب بأكمله في توصيفات أمنية مجردة وحين يساوى بين الجلاد والضحية باسم “التوازن” ندرك أن المشكلة أعمق من نزاع سياسي إنها أزمة ضمير عالمي.

ما يميز غزة أنها تفضح هذا الخلل بلا مواربة. فهي لا تسمح بالحياد الزائف ولا تترك مساحة للرماديات المريحة. إما أن ترى الإنسان أو تتعامى عنه. إما أن تنتصر لفكرة العدالة الكونية أو تقبل بانهيارها. ولهذا السبب تحديدا أصبحت غزة بوصلة أخلاقية: من خلالها يقاس صدق الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان ونزاهة المؤسسات الدولية واستقلالية الإعلام وشجاعة النخب الثقافية والفكرية.

ولعل أحد أكثر المشاهد دلالة هو الانقسام الحاد في ردود الفعل العالمية. شعوب خرجت إلى الشوارع دفاعا عن غزة وطلاب جامعات تحدوا إداراتهم ومثقفون كسروا حاجز الصمت في مقابل حكومات تمارس ازدواجية فاضحة وإعلام سائد يفرغ المأساة من سياقها الإنساني ويعيد إنتاج روايات القوة. هذا التباين يكشف أن الضمير الإنساني ما زال حيا على مستوى القاعدة الشعبية، لكنه محاصر داخل بنى سياسية واقتصادية تخشى كلفة الموقف الأخلاقي.

غزة أيضا أعادت تعريف مفهوم المقاومة ليس فقط كفعل عسكري، بل كصمود إنساني يومي. أم تحت الأنقاض طبيب يعمل بلا كهرباء صحفي ينقل الحقيقة وهو يعلم أنه هدف طفل يذهب إلى مدرسة مدمرة وهو يحمل حلما بالحياة. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تمنح غزة بعدها الأخلاقي العميق وتجعلها شاهدا على قدرة الإنسان على التمسك بكرامته حتى في أقصى ظروف القهر.

في هذا السياق يصبح السؤال الحقيقي ليس: ماذا يحدث في غزة؟ بل: ماذا يكشف ما يحدث في غزة عنا جميعا؟ عن مدى استعدادنا للدفاع عن القيم حين تكون كلفتها عالية وعن قدرتنا على رؤية الآخر كإنسان كامل الحقوق لا كرقم أو عبء أو تهديد.

فالتاريخ لا يكتب فقط بمن انتصر عسكريا بل بمن وقف في اللحظة الفاصلة إلى جانب الحق أو اختار الصمت.

غزة لن تكون مجرد فصل في كتب التاريخ بل معيارا أخلاقيا سيستعاد طويلا. سيسأل السياسيون أين كانوا والمثقفون ماذا قالوا والمؤسسات ماذا فعلت والإعلام كيف روى القصة.

وفي هذا الامتحان لن تنفع البلاغة ولا البيانات المتأخرة، لأن البوصلة كانت واضحة والدم كان واضحا والظلم كان فاضحا.

إن الدفاع عن غزة ليس موقفا أيديولوجيا ضيقا، بل دفاع عن فكرة الإنسان ذاتها. عن عالم لا تقاس فيه قيمة الحياة بالهوية أو الجغرافيا ولا تعلق فيه القوانين حين تتعارض مع مصالح الأقوياء. فإذا فقدنا غزة كبوصلة أخلاقية، فإننا نخاطر بفقدان ما تبقى من المعنى في هذا العصر المضطرب.

غزة بهذا المعنى ليست على هامش العالم، بل في قلب سؤاله الأخلاقي الأكبر. ومن ينجح في قراءة هذا السؤال بصدق يحدد موقعه ليس فقط من قضية عادلة، بل من التاريخ نفسه.

 

 

 

قد يعجبك ايضا