ا.د. خالد الحسيني
في السنوات الأخيرة، لجأت كثير من الدول والمؤسسات إلى سياسة حجب (Blocking) المواقع والتطبيقات الرقمية باعتبارها أداة للضبط والسيطرة على المحتوى أو لتنظيم الفضاء الإلكتروني. غير أن هذه السياسة، في ظل التطور المتسارع للتقنيات الرقمية، باتت محدودة الجدوى؛ بل وأحياناً عكسية الأثر.
أولاً، أتاح انتشار الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN – Virtual Private Network) للمستخدمين إمكانية تجاوز الحجب بسهولة وبكلفة منخفضة، حيث تقوم هذه التقنيات بتشفير حركة البيانات (Data Encryption) وإخفاء الموقع الجغرافي الحقيقي للمستخدم (IP Masking)، مما يجعل آليات الحجب التقليدية غير فعالة. ولم يعد استخدام VPN مقتصراً على الخبراء، بل أصبح في متناول المستخدم العادي عبر تطبيقات بسيطة ومتاحة على مختلف أنظمة التشغيل.
ثانياً، لم يعد VPN الوسيلة الوحيدة لتجاوز الحجب، إذ ظهرت تقنيات أخرى مثل البروكسي الذكي (Smart Proxy)، وشبكات تور (Tor Network)، وخدمات DNS البديلة (Alternative DNS Services)، إضافة إلى تقنيات التشفير المدمجة داخل المتصفحات والتطبيقات الحديثة. هذه الأدوات تجعل من الحجب التقني سباقاُ غير متكافئ بين الجهات المنظمة والمستخدمين، غالباً ما ينتهي بتفوق الأخير.
ثالثاً، يؤدي الاعتماد المفرط على الحجب إلى أثار جانبية سلبية، من بينها الإضرار بحرية الوصول إلى المعلومات (Access to Information)، والتأثير على الابتكار الرقمي (Digital Innovation)، وخلق فجوة ثقة بين المستخدمين والجهات المنظمة. كما أن الحجب قد يدفع المستخدمين إلى اللجوء إلى أدوات أقل أماناً، ما يزيد من المخاطر السيبرانية (Cybersecurity Risks) بدلاً من تقليلها.
في المقابل، تشير التجارب الدولية إلى أن البدائل الأكثر فاعلية تتمثل في تبني سياسات تنظيمية ذكية (Smart Regulation)، تقوم على التوعية الرقمية (Digital Literacy)، وتعزيز التشريعات الواضحة، والتعاون مع منصات التقنية الكبرى، بدل الاكتفاء بالحلول التقنية المحدودة. فالتنظيم القائم على الحوكمة والشفافية غالباً ما يكون أكثر استدامة من الحجب الشامل.
إن حجب المواقع والتطبيقات لم يعد حلاً عملياً في عصر التقنيات المتقدمة، بل هو إجراء قصير الأمد في مواجهة أدوات تجاوز متطورة وسريعة التطور. ويبدو أن الرهان الحقيقي اليوم ليس على المنع التقني، بل على بناء وعي رقمي، وإطار قانوني وتنظيمي قادر على مواكبة التحولات المتسارعة في الفضاء الرقمي.
أستاذ تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ICT
