استعادة اليمن للسيادة البحرية شرط أساسي لإنهاء حالة الشلل الاقتصادي
خوف الإمارات ليس على موانئها فحسب بل على مستقبلها الوجودي كقوة اقتصادية في المنطقة
يُعد ميناء عدن واحداً من أهم الموانئ الطبيعية في العالم بحكم موقعه الاستراتيجي على واحد من أكثر الممرات البحرية ازدحاماً دولياً، عند مدخل البحر الأحمر وبالقرب من خطوط التجارة بين أوروبا وآسيا ومع ذلك، ظل الميناء خلال السنوات الماضية يعمل بأقل من طاقته، وسط جدل واسع حول الأسباب الحقيقية لهذا التعطيل، ودور الإمارات في ذلك، في ظل حضورها العسكري والسياسي الطامع جنوب البلاد ، ووفق الخبراء والمحللين فإن جذور حقد الإمارات على ميناء عدن ليست فقط منذ عام 2008، بل إنّ العين كانت مفتوحة عليه منذ افتتاح ميناء جبل علي في أواخر سبعينيات القرن الماضي ، وما نشهده هذه الأيام من صراع بين الأمارات والسعودية وأدواتهما في عدن والمحافظات المحتلة ما هو إلا نتاج الأطماع والسيطرة على الموانئ والسواحل والممرات البحرية لليمن.
الثورة / أحمد المالكي
يؤكد محللون وخبراء اقتصاد أنه واستناداً إلى تحليل المصالح الاقتصادية والأدوات المستخدمة لتحقيقها، وعلى اعتبار القيمة العالية لميناء عدن في معادلة التجارة العالمية، فهو من الناحية الجغرافية والاقتصادية، يمتلك ميزتين جوهريتين: ميناء ترانزيت، يمكن للسفن العابرة بين أوروبا وشرق آسيا تفريغ حمولاتها في عدن، ليعاد شحنها إلى وجهات متعددة، ما يدر عوائد ضخمة من الرسوم والخدمات، وكمحطة تموين وخدمات، فالموقع يجعل منه محطة مثالية للتزود بالوقود والصيانة والخدمات اللوجستية، إضافة إلى ربطه بالأسواق الخليجية عبر البر.
ويؤكد الخبراء والمحللون أن هذه الأدوار، لو فُعِّلت بكامل الطاقة، فإنها كفيلة بجعل عدن منافساً مباشراً لأكبر موانئ المنطقة.
جبل علي
ويشير الخبراء والمحللون إلى أن الإمارات، وبخاصة دبي، تعتمد على الموانئ كركيزة أساسية في نموذجها الاقتصادي ، حيث يُعد ميناء جبل علي من أكبر موانئ الحاويات في العالم، لكن هذا الموقع المتقدم يستند إلى عاملين أساسيين هما: الاستقرار السياسي والأمني، وغياب منافسين إقليميين مباشرين في المسار الملاحي نفسه.
ووفقا للمحللين فإن تشغيل ميناء عدن بكامل طاقته لا يخدم هذا النموذج، بل يخلق بديلاً أقل كلفة وأقرب جغرافياً لخطوط الملاحة الدولية، ما قد يدفع بشركات الشحن لإعادة توجيه جزء من عملياتها بعيداً عن موانئ الإمارات.
ولفت الخبراء والمحللون إلى أنه عندما ألغت الحكومة اليمنية اتفاقية تشغيل الميناء مع شركة موانئ إماراتية في مطلع 2017، كان ذلك مؤشراً على محاولة استعادة القرار السيادي في قطاع حيوي. غير أن هذا القرار تزامن مع تحولات ميدانية، أبرزها: ظهور المجلس الانتقالي الجنوبي كقوة عسكرية سياسية مهيمنة في عدن، وانتقال السيطرة الفعلية على الأرض والموانئ إلى أطراف مرتبطة بالإمارات.
تحييد
ووفق هذا التحليل، لم يكن الهدف إدارة الميناء وتطويره، بل تحييده عن المنافسة، عبر حصر نشاطه في خدمة الاستيراد المحلي للتجار اليمنيين، ومنع تحوله إلى منصة تجارة دولية أو إقليمية.
وتُتداول أرقام ضخمة حول الإيرادات المحتملة لميناء عدن في حال تشغيله بكفاءة عالية. ورغم أن بعض هذه التقديرات قد تكون موضع نقاش أو مبالغة، إلا أن جوهر القضية لا يكمن في رقم محدد، بل في حقيقة أن تعطيل ميناء بحجم وموقع ميناء عدن يعني تعطيل فرصة تاريخية لاقتصاد بلد بأكمله، حتى جزء بسيط من الطاقة الممكنة للميناء كان كفيلاً بتغيير الواقع المعيشي لملايين اليمنيين.
حقد دفين
وتعطيل ميناء عدن لا يمكن فهمه بمعزل عن صراع المصالح الإقليمية. فحين تتعارض سيادة دولة ضعيفة مع نموذج اقتصادي لدولة أقوى، تُستخدم أدوات السياسة والعسكرة لإعادة تشكيل الواقع على الأرض.
أضمرت الإمارات هذا الحقد، وظلّت تتحيّن الفرص، وازداد قلقها بعد تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990، وانتقال اليمن من نظام السوق الواحد في عهد الاشتراكية إلى اقتصاد السوق المفتوح. وقد شهد ميناء عدن حينها بعض الإضافات في قدرته التشغيلية، من أبرزها إنشاء محطة الحاويات عام 1999 بطاقة إنتاج نحو مليون حاوية.
خوف إماراتي
ووفق تقارير اقتصادية كان خوف الإمارات ليس على موانئها فحسب، بل على مستقبلها الوجودي كقوة اقتصادية في المنطقة، مرتبطًا بشكل وثيق ببقاء اليمن حبيس الصراعات، حتى لا تتاح لميناء عدن، على وجه الخصوص، فرصة الانفجار التجاري، الذي يُقدَّر دون مبالغة بأنه قادر على ابتلاع موانئ الإمارات.
وبفعل التدخل الإماراتي فقد ميناء عدن أي تأثير يُذكر، واختفى تدريجيًا من خارطة التجارة العالمية، حتى خسر أكثر من 70% من قدرته التشغيلية، وفقدت الدولة اليمنية معه أحد أهم مفاصل اقتصادها.
ووفق دراسات اقتصادية فإن ميناء عدن، الذي كان مؤهلاً ليكون منافسًا لميناء جبل علي في دبي، أُعيد إدخاله في “سبات طويل” بفعل التعطيل الممنهج.
السيطرة الإماراتية على الموانئ اليمنية لم تكن مجرد مسألة عسكرية، بل انعكست مباشرة على الاقتصاد الوطني.
نتيجة الحظر
الدراسات تشير إلى تعطل صادرات الغاز والنفط، وتضرر موارد الدولة المالية، كما حُرم آلاف الصيادين من مصادر رزقهم نتيجة الحظر والإغلاق العسكري للمياه الساحلية، وفقدت اليمن القدرة على إدارة أهم منشآتها السيادية، ما أدى إلى تعميق حالة “الاحتباس الاقتصادي”.
وبحسب الدراسة، فإن ما يجري في اليمن جزء من صراع جيوسياسي أكبر على الممرات البحرية العالمية، حيث تُستخدم الموانئ كأدوات ضغط ونفوذ بدلاً من كونها أدوات تنمية.
توصيات
وأوصت الدراسات بضرورة إدراج ملف الموانئ والجزر في صدارة أي مفاوضات سياسية أو اتفاقات سلام قادمة، بوصفه ملفًا سياديًا لا يقل أهمية عن وقف إطلاق النار أو إعادة الإعمار، والنص الصريح على انسحاب القوات الأجنبية من جميع المرافق الاستراتيجية وإعادتها إلى إشراف الدولة اليمنية.
كما خلصت الدراسات إلى أهمية ربط تشغيل الموانئ بخطط تنمية المجتمعات الساحلية، بما يشمل إعادة تأهيل قطاع الصيد البحري وتوفير بدائل معيشية للمتضررين، وفتح تحقيقات شفافة حول الخسائر والانتهاكات التي لحقت بالاقتصاد والمجتمع اليمني جراء عسكرة الموانئ.
وخلصت الدراسة إلى أن السيطرة على الموانئ اليمنية تمثل لبّ الصراع الجيوسياسي في المنطقة، وأن استعادة اليمن لسيادته البحرية شرط أساسي لإنهاء حالة الشلل الاقتصادي المستمرة منذ سنوات.
