لماذا لا يكون الجلَّادُ حلاً ؟

سامي عطا

 

 

في معادلة الصراعات المعقدة، ثمة قاعدة سياسية وفلسفية مفادها: ” لا يمكن للسبب أن يكون حلاً “.
هذا هو المأزق الأخلاقي والسياسي الذي تتعثر فيه القضية الجنوبية، حبيسةً بين فَكَّيْ قوتين: مملكة تذرّعت بالإنقاذ وهي من غرست بذور الأزمة، ونظام من ” الشرعية ” المفترضة يُعاد تصديره عبر الفنادق الفاخرة، بينما جذوره تنغرس في تربة الفساد والعنف التي خرّبت البلاد.
أوهام البحث عن الحل لدى من صنع الداء.
يخطئ من يظن أن الحلول يمكن أن تأتي من الجهات التي كانت شريكةً، ولو بشكل غير مباشر، في تفاقم المأساة.
فالمملكة العربية السعودية، بعلاقتها المتشعبة مع النظام اليمني السابق، تمثل السبب الهيكلي غير المباشر.
إنها لم تكن مجرد جار، بل كانت الراعي السياسي والمالي لنظام استمرأ الفساد والتمزيق الداخلي منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي.
بعد اغتيال الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي – الرجل الذي كان يحمل رؤيةً لبناء دولة يمنية حقيقية – تشكل تحالف السلطة بين علي عبدالله صالح وعبدالله بن حسين الأحمر تحت المظلة السعودية، ليبدأ عهدٌ من ” المحاصصة الطائفية والإقليمية ” التي حولت اليمن إلى كيان هش.
كما كتب المفكر إدوارد سعيد عن ” الإمبريالية الثقافية “، يمكننا الحديث هنا عن ” الهيمنة الجيوسياسية ” التي تحافظ على جيران ضعفاء من خلال دعم أنظمة تدار مصالحها الخارجية قبل مصالح شعوبها.
الحرب التي بدأت في 26 مارس 2015م لم تكن لـ” استعادة الشرعية ” بمعناها المجرد، بل كانت – في أحد أوجهها الأساسية – عملية جراحية عنيفة لإعادة زرع نفس النظام العائلي والسياسي الفاشل، الذي مثّل الخانق الرئيسي لطموحات اليمنيين شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً.
شرعية الفنادق، الوجه الآخر لعملة الفشل ذاته.
أما ما يُسوق بـ” الشرعية ” المقيمة في الفنادق الفاخرة، فهي تمثل السبب المباشر والجلاد الحقيقي.
إنها ليست حكومةً بالمعنى الحقيقي، بل هي استمرار رمزي وبيروقراطي لنفس العقلية الحاكمة التي أدارت اليمن بالمنافع الشخصية والفساد الممنهج.
إنها تمثل، بحسب تعبير عالم الاجتماع ماكس فيبر، تحول السلطة إلى ” قفص حديدي ” من المصلحة الضيقة، حيث تُختزل الدولة في حاشية وشعارات.
هذه ” الشرعية ” هي الوريث الشرعي – بحكم الأمر الواقع – للنظام الذي حوّل الجيش إلى مليشيات، والثروة إلى نهب، والوطن إلى ساحة انتقام.
كيف يُعقل أن يكون الحل بيد من هم السبب الجنيني للانفجار؟ وكما يقول المثل السياسي القديم: ” لا يمكنك حل المشكلة باستخدام نفس العقلية التي أوجدتها “، وهو ما أُكده لاحقاً الفيزيائي ألبرت أينشتاين في قولته الشهيرة، “التناقض التاريخي، المستحيل المنطقي”.
هنا يكمن التناقض التاريخي القاتل حين تُسند مهمة ” الحل ” و” الإصلاح ” إلى الكيانات التي تشكل الطرف الأول في معادلة الدمار.
هذا يشبه أن نعهد بعلاج مدمن للخمر إلى تاجر خمور، أو إصلاح نظام مالي فاسد إلى أكبر المتورطين في الفساد، إنه استحالة منطقية وسياسية.
المملكة وحلفاؤها المحليون ( شرعية الفنادق ) ليسا ” وسيطًا نزيهاً ” ولا ” حَكَماً معصوماً “، بل هما أطراف في الصراع لهما تاريخ طويل من التدخلات والمصالح المتشابكة التي تتجاوز بكثير مصالح الشعب اليمني الموحّدة.
كما يوضح المفكر نعوم تشومسكي في تحليله للسياسة الخارجية الأمريكية، غالباً ما تُستخدم شعارات مثل ” الاستقرار ” و” الشرعية ” كأغطية أيديولوجية للحفاظ على الهيمنة ومصالح النخب المتحالفة.
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح، ما هو الحل ومن أين يبدأ ؟
لا يمكن للقضية الجنوبية، أو القضية اليمنية عموماً، أن تجد حلاً عادلاً ومستداماً إلاَّ بالخروج من هذه ” الدائرة المفرغة ” التي يتحكم فيها الجلاد بمصير الضحية.
الحل الحقيقي يبدأ بـ:
1 ـ الاعتراف التاريخي، بفك الارتباط بين الحل وبين الأطراف التي كانت جزءاً أساسياً من صناعة الأزمة.
2 ـ التأسيس لشرعية جديدة، قائمة على الإرادة اليمنية الخالصة، وليس على التفويض الخارجي أو بقايا نظام فاسد.
3 ـ الانتقال من منطق الهيمنة إلى منطق الشراكة، أن تتحول المملكة والدول الإقليمية من كونها أطرافاً فاعلة في الصراع إلى ضمانات حقيقية لحل يمني – يمني.
4 ـ استعادة المبادرة الجنوبية، أن تعود القضية الجنوبية إلى أهلها، كقضية سياسية تستند إلى الحقوق التاريخية والإرادة الشعبية، لا كورقة مساومة في صفقات إقليمية، على يبحث العقااء الفاعلين فيها عن حلول واقعية لها بعيداً عن الانفعالات والضجيج.
كما كتب الفيلسوف جان بول سارتر، ” الحرية ليست هبة، بل هي مشروع يُبنى يومياً “.
الحرية والحل العادل للقضية الجنوبية واليمنية ليسا هبة تمنحهما المملكة أو ” شرعية الفنادق “، بل هما مشروع تحرر وطني وإرادة شعبية يجب أن ينبثقا من تحت أنقاض الماضي، بعيداً عن أولئك الذين كانوا حرّاس سجنه.

قد يعجبك ايضا