المشروع القرآني.. الدوافع والأهداف

 

المشروع القرآني الذي تحرك على أساسه السيد حسين بدرالدين الحوثي (رضوان الله تعالى عليه) لم يكن وليد صدفة عابرة أو لحظة قصيرة، وإنما كان نتاجا لقراءة صحيحة وشاملة على النحو التالي:

أولاً: قراءة صحيحة وتقييم دقيق لواقع الأمة وللحالة التي تمر بها الأمة الإسلامية وما تعيشه من الذلة والهوان والخزي والخنوع على أيدي أعدائها وأدواتهم في المنطقة، وما الذي أوصل الأمة إلى هذا المستنقع الخطير؟ من كان وراء ضياع الأمة؟ كل ذلك بكل مصداقية ووضوح، بعيدا عن المجاملات التي لم يعد لها قيمة في هذا الزمن.

ثانياً: قراءة متعمقة وصادقة لهذا الدين العظيم ومبادئه العظيمة وقيمه العالية بروح مسؤولة وبتجرد عن أي مؤثرات مذهبية أو غيرها، ليخرج بحلول قرآنية ربانية كفيلة بإنقاذ الأمة وإعادتها لتقوم بأداء دورها المنوط بها بكل قوة واقتدار إن تفهمت هذه الحلول وسارت في حياتها على أساسها .

الوضعية السيئة للأمة

يقول السيد حسين رضوان الله عليه في محاضرة [الصرخة في وجه المستكبرين]: “عندما نتحدث أيضاً هو لنعرف حقيقة أننا أمام واقع لا نخلوا فيه من حالتين، كل منهما تفرض علينا أن يكون لنا موقف..

نحن أمام وضعية مَهِيْنة: ذل، وخزي، وعار، استضعاف، إهانة، إذلال، نحن تحت رحمة اليهود والنصارى، نحن كعرب، كمسلمين، أصبحنا فعلاً تحت أقدام إسرائيل، تحت أقدام اليهود. هل هذه تكفي إن كنا لا نزال عرباً، إن كنا لا نزال نحمل القرآن ونؤمن بالله وبكتابه وبرسوله وباليوم الآخر لتدفعنا إلى أن يكون لنا موقف؟

الحالة الثانية: هي ما يفرضه علينا ديننا، ما يفرضه علينا كتابنا (القرآن الكريم) من أنه لا بد أن يكون لنا موقف من منطلق الشعور بالمسئولية أمام الله سبحانه وتعالى. نحن لو رضينا -أو أوصلنا الآخرون إلى أن نرضى- بأن نقبل هذه الوضعية التي نحن عليها كمسلمين، أن نرضى بالذل، أن نرضى بالقهر، أن نرضى بالضَّعَة، أن نرضى بأن نعيش في هذا العالم على فتات الآخرين وبقايا موائد الآخرين، لكن هل يرضى الله لنا عندما نقف بين يديه السكوت؟ من منطلق أننا رضينا وقبلنا، ولا إشكال في ما نحن فيه، سنصبر وسنقبل.

فإذا ما وقفنا بين يدي الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، هل سنقول: (نحن في الدنيا كنا قد رضينا بما كنا عليه؟). هل سيُعْفينا ذلك عن أن يقال لنا: ألم نأمركم؟ {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ} (المؤمنون: من الآية105)؟ {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} (غافر: من الآية50)؟. ألم تسمعوا مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}(آل عمران: من الآية103) ومثل قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (107) (آل عمران) أليست هذه الآيات تخاطبنا نحن؟ أليست تحملنا مسؤولية؟

الأمة تعيش حالة قبول بالباطل

ويقول في محاضرة [سورة المائدة الدرس الأول] وهو يتحدث عن هذه الحالة التي تعيشها الأمة:

“ألف وأربع مائة سنة أليست فترة طويلة؟ ألف وأربع مائة سنة والمسلمون لم يجلسوا جلسة واحدة ليناقشوا لماذا؟ ما هو الخلل؟ ما الذي حصل حتى أصبحنا على هذا النحو؟ إلى تحت، إلى تحت، بعد كل مائة سنة هبوط هبوط، وكم قد جاء من ضربات للأمة، هذه ضربها الصليبيون ضربات شديدة، ضربها التتار والمغول ضربات شديدة، الصليبيون من قبل، والصليبيون في فترات الاستعمار المتأخرة، وهكذا ضربة بعد ضربة حتى أصبحوا الآن تحت أقدام اليهود، ولم يجلسوا ليناقشوا المسألة من جديد، ويرجعوا إلى القرآن الكريم لينظروا هل فيه حل؟ هل هو وضع حلاً؟ هل عالج المشكلة هذه؟ هل تحدث عن أسباب هذه المشكلة؟ أبداً”.

ويقول في محاضرة [خطورة المرحلة] موضحا حالة اللامبالاة تجاه ما تتعرض له الأمة:

“ثم إذا كنا في واقعنا نعيش حالة من اللامبالاة بما يحدث، وإذا ما كان هناك تفاعل أمام ما يحدث، فليس أكثر من مجرد تألم لا يتحول إلى موقف! هل أن هذه الحالة يمكن أن يكون لها أصل في ديننا؟! أي أنه بتوجيهاته، بتربيته ربانا على هذا النحو، ترك فينا هذا الأثر، فها نحن نعيش حالة اللامبالاة، حالة اللااهتمام بما يحدث.

أعتقد -أيضاً- أن توجيهات القرآن الكريم، توجيهات الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله)، سيرة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كلها تخلق روحاً أسمى، وأرقى، وأعلى من هذه الروحية التي نحملها.

إذاً فمن أين أتينا؟ من أين أتينا؟ عندما نرى أنفسنا، ونحن نسمي أنفسنا طلاب علم، ونسمي أنفسنا علماء، ونسمي أنفسنا متعلمين، ونسمي أنفسنا مرشدين، فمِن أين أتينا حتى أصبح واقعنا على هذا النحو؟! الله سبحانه وتعالى -في القرآن الكريم، باعتباره كتاب حياة، كتاب تربية، كتاب عمل- شهد على أن هذا الكتاب يستطيع أن يخلق روحاً عالية من خلال ما نشاهده من نظرة أولئك العظماء، مثل الأنبياء (صلوات الله عليهم)، كالنبي (صلوات الله عليه وعلى آله) وكالإمام علي (عليه السلام)، وكالحسن، وكالحسين، وأمثالهم من العظماء.

ويقول (رضوان الله عليه) في محاضرة [سورة آل عمران الدرس الأول] متحدثا عن ضرورة البحث عن حلول وترك المجاملات في هذه المرحلة: “هذا الزمن – أيها الإخوة – هو زمن لا بد أن الناس يقفون موقفاً صحيحاً من أنفسهم، لم يعد الوقت وقت مجاملات ولا حياء ولا مداهنة… وقت مناقشة الحقائق، ومعرفة الحقائق. يكفي الناس ما يلمسونه من ذلة وإهانة وضياع لهم كمسلمين، كعرب.. يكفي.

المفروض أن يبحثوا عن الحل. الإنسان متى ما اشتد به المرض أليس هو في الأخير يشرب العلاج ولو كان مراً؟ الآن نبحث عن العلاج، ولنقبل ولو كان مراً، مع أن العلاج من قِبَل الإسلام ليس مراً، لا يمكن أن يكونْ مرّاً، لكن نفهم أن وضعيتنا أصبحت إلى درجة رهيبة.

الانطلاقة من قاعدة التنزيه لله أولاً

لقد بدأ السيد حسين (رضوان الله عليه) بتنزيه الله سبحانه وتعالى أولا من خلال تنزيه دينه عن هذه الوضعية السيئة التي لا يجوز أبدا أن تكون ثمرة لدينه الحق، ولا مظهراً من مظاهر كتابه العزيز، فدين الله دين كامل، جاء به رسول كامل، من إله كامل”.

ومما قال في محاضرة [الوحدة الإيمانية]: “نحن نحاول أن ننظر إلى ما بين أيدينا، من أين جاء هذا الخلل، فإن كان من الدين من أساسه، وهذا ما لا يمكن أن يكون، ولا يجوز أن يكون مصدر ما نحن عليه من ضعف، وإذلال، وانحطاط، هو من ديننا. نحن نقطع بأنه ليس من ديننا ما يوحي، ولا ما يهيئ أن تكون الأمة على هذه الوضعية السيئة. دين الله هو المنهج الكامل الذي يبني أفراداً، ويبني أمة على أعلى مستوى ممكن، فلننطلق جميعاً لنفتش داخلنا”.

تقييم الوضعية على أساس القرآن الكريم

وأكد بأنه لا بد من أن نقيم وضعيتنا وواقعنا على أساس القرآن الكريم، وأن نرفض أي شخص أو ثقافة أو عقيدة كانت سببا في إبعادنا عن القرآن الكريم، وبالتالي إبعادنا عن عزتنا وكرامتنا، وألا نسمع لمن يأمرنا بالسكوت حتى لا نثير أحدا. يقول في محاضرة [الوحدة الإيمانية]

“نقول: الذي يثيرنا الآن، ويجب أن يثيرنا هو أمريكا وإسرائيل. أليس كذلك؟ هذه الوضعية الخطيرة التي يجب أن نرجع فيها إلى واقعنا، فلنرفض أي طرف مهما كان كبيراً أمامنا إذا ما اتضح لنا وتأكدنا بأنه كان وراء هذا الفشل الذريع الذي الأمة عليه، وكان سبباً من الأسباب التي أوصلت الأمة إلى هذه الوضعية السيئة، أن نرفضه، ولنعد إلى القرآن، ونعتمد على القرآن، وهو نفسه من سيكشف لنا الأشياء الكثيرة جداً”.

ويجيب على من ينقد أسلوبه في توضيح الحقائق قائلاً في محاضرة [سورة المائدة الدرس الثالث]: “بالعودة إلى القرآن الكريم سنعرف أننا بحاجة إلى أن نتحدث بهذا الأسلوب، وبهذا المنطق، وإلا فنحن لسنا ممن طبائعهم حمقى أو ضيقة أو شديدو اللهجة على أي إنسان، أو يتطاولون بألسنتهم على أي إنسان. ليس هذا من طبعنا، ولكن هي الحاجة الماسة التي جعلتنا نتحدث حتى على الرغم من أننا نعلم أننا سنجرح مشاعر كثير من المسلمين بهذا الكلام.

لكننا نقول: نحن أمة مجروحة، يجب أن تبحث عن العلاج وعن سبب المرض، عن السبب الذي جعل هذا الجرح ينـزف دماً ولا نجد هناك من يلتئم الجرح على يديه. ليس عصر مجاملة، ليس عصر مداهنة، ليس زمن تغطية وتلبيس، زمن يجب أن تكشف فيه الحقائق على أرقى مستوى، وأن يتبين فيها بدءاً من هناك، من مفترق الطرق، من بعد رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله)، من هـو السبب في كل ما نحن نعاني منه؟

ثم يستخلص السيد بهذا التشخيص الدقيق بقوله في [الدرس الأول الثقة بالله]: “الحقيقة إذا تأمل الإنسان في واقع الناس يجد أننا ضحية عقائد باطلة، وثقافة مغلوطة جاءت من خارج الثقلين (كتاب الله وعترة رسوله صلوات الله عليه وعلى آله)”.

قد يعجبك ايضا