تشكل قضية الوحدة اليمنية وانفصال الجنوب واحدة من التعقيدات السياسية الحديثة التي تتطلب فهماً دقيقاً للسياقات التاريخية والتحولات الإيديولوجية. فعندما أعلن المناضل علي سالم البيض رحمة اللَّه عليه في عام 1994م عن الانفصال وعودة “جمهورية اليمن الديمقراطية ” من دون ” الشعبية “، كان ذلك الإعلان في جوهره تأكيداً على فشل نموذج الوحدة الذي تم في 22 مايو 1990م، وليس تنكراً للهوية اليمنية الجامعة. لقد مثل قرار البيض اعترافاً ضمنياً بأن إدارة الوحدة من قبل نظام علي صالح كانت تتم برعونة سياسية وتهميش منهجي، جعلت من الانفصال خياراً لا مفر منه، مؤجلاً حلم الوحدة الحقيقية للأجيال القادمة.
إن مشروع الجنوب الحالي ” الجنوب العربي ” يمثل تحول من التحرر الوطني إلى التبعية الاستعمارية، حيث يشهد المشروع الجنوبي تحولاً جوهرياً في توجهاته الإيديولوجية والسياسية. فبينما كان مشروع البيض يستند إلى إرث ثورة 14 أكتوبر التحررية ضد الاستعمار البريطاني، نجد أن الدعوة المعاصرة لمشروع ” الجنوب العربي ” تتجه نحو تبني إطار مرجعي استعماري بائد. هذا المشروع، كما يبدو من خطابه الرسمي ورموزه، يسعى عمداً لقطع الصلة التاريخية والهوياتية مع الأرض اليمنية والثقافة اليمنية المشتركة، وهو ما يمثل انزياحاً خطيراً عن منطق التاريخ والهوية.
وإذا نظرنا إلى السياق العالمي المتمثل في صراع الأمم ضد الهيمنة الاستعمارية. فإنه صراع يأتي ضمن توجه عام في لحظة تاريخية فريدة تشهد فيها معظم دول العالم، خاصة في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، صحوة وطنية ضد أشكال الهيمنة الجديدة. فمن تجربة بوليفار في أمريكا اللاتينية إلى حركة عدم الانحياز التاريخية، نجد أن منطق العصر ينحو نحو التحرر والاستقلال الحقيقي للقرار الوطني. حتى أن بعض الدول الخليجية شهدت في العقد الأخير تحولاً جوهرياً في سياستها الخارجية، مؤكدة على أولوية المصالح الوطنية والاستقلال الاستراتيجي.
وفي هذا السياق العالمي، يبدو إصرار بعض الفاعلين الجنوبيين على إحياء الهيمنة الاستعمارية من خلال مشروع ” الجنوب العربي ” بمثابة سير عكس اتجاه التاريخ.
هناك دوافع نفسية وسياسية دفعت إلى تبني هذا المشروع، حيث لا يمكن فهم هذا التناقض دون تحليل الظروف النفسية والسياسية التي ولدت هذا التوجه ” المشروع البائس “. فمعاناة الجنوبيين تحت نظام فساد ما بعد 7 يوليو 1994م، خلقت حالة من اليأس والإحباط الجماعي، تحولت إلى رغبة عاطفية جامحة في البحث عن أي مخرج، حتى لو كان على حساب الهوية والاستقلال الحقيقي.
ومن هنا تتداخل العاطفة مع السياسة، حيث أفضت ” الكارثة التأسيسية ” (حرب 1994م) لتوليد كراهية عمياء تجاه الشمال والهوية معاً، تدفع نحو قبول أي بديل حتى وإن كان استعمارياً أو عبر التطبيع مع كيان صهيوني نازي مجرم ارتكب إبادة جماعية ضد سكان قطاع غزة وشعب فلسطين (وهنا تبرز مفارقة صارخة كيف يمكن لمن يدعي بأنه يمثل قضية شعبية، وفي نفس الوقت يبدي استعداده للتطبيع مع كيان يبيد ويغتصب حق شعب أخر ” الشعب الفلسطيني ” ).
وهناك خلل في فهم الاستبداد الداخلي وعلاقته بالهيمنة الخارجية. إذ يقع داعمو مشروع ” الجنوب العربي ” في خطأ تحليلي جوهري، فهم يعتقدون أن الاستبداد الداخلي يمكن مواجهته بالارتماء في أحضان القوى الخارجية. لكن التاريخ السياسي المعاصر يثبت عكس ذلك، فمن تجربة شاه إيران (المدعوم أمريكياً) إلى الديكتاتوريات الأمريكية اللاتينية، نجد أن الأنظمة المستبدة غالباً ما تتعزز وتستمر بدعم خارجي. كما لاحظ ذلك المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه ” الثقافة والإمبريالية ” حين قال : ” لا يمكن مقاومة الاستعمار بتبني أدواته “. فالاستبداد المحلي، في كثير من الحالات، ليس نقيضاً للهيمنة الخارجية، بل هو نتاج تحالف مصالح بين النخب المحلية والقوى الخارجية.
وفي الختام يبرز سؤال ما الحل ؟
نحو رؤية مستقبلية واقعية
إن التحدي الحقيقي أمام الجنوب ليس في البحث عن هوية مصطنعة منفصلة، ولا في تبني مشاريع وظيفية تخدم مصالح خارجية، بل في بناء حركة تحرر وطنية حقيقية، تستلهم إرث ثورة أكتوبر دون انغلاق، وتتعامل مع الشمال كشريك في مصير مشترك، دون تنازل عن الحقوق. فالوحدة الحقيقية هي التي تقوم على الاختيار الحر والتكافؤ والعدالة، وليست الوحدة القسرية أو الانفصال التابع.
إن القوى الخارجية المهيمنة التي أوجدت نظام 7/7 ودعمت استمراره، بل وشنت حرباً لإعادته إلى السلطة، هي نفسها التي قد يلجأ إليها مشروع ” الجنوب العربي ” اليوم. وهذا الارتماء في أحضان الهيمنة الخارجية لن ينتج سوى نظام جديد يشابه في استبداده وتبعيّته نظام 7/7، وإن اختلف عنـه في كونه يحمل واجهةً جنوبية، إذا ما نجح المشروع الانفصالي في تحقيق غايته.
ويمكن القول إن مشروع ” الجنوب العربي ” في صيغته الحالية يمثل انزياحاً خطيراً عن منطق التحرر الوطني، ولا يحمل حلاً لمشاكل الجنوب، بل يهدد بتحويله إلى كيان وظيفي تابع، يعيد إنتاج التبعية بأشكال جديدة. ولذا فإن المستقبل الحقيقي يكمن في مشروع وطني يضمن حقوق كل اليمنيين وفق علاقة تعاقدية متكافئة يضمن حقوق المواطنة والتعدد الثقافي فيه ويحقق العدالة الاجتماعية، وليس في العودة إلى أحضان الهيمنة الخارجية.
