في كلمات قليلة لخص الرئيس الأمريكي حقيقة السيطرة التي رسمت بها الإمبراطوريات الاستعمارية تأريخها وهي إرسال السفن محملة بالجنود والأسلحة والاستيلاء على الأوطان وإبادة السكان، خوفا من انقلاب الموازين عليها بعد ضعفها لكنه أعاد التذكير ليقول بأنه قوة ونسي أن إمبراطورتيه التي يسعى إليها هي الأكلة التي ستعجّل السقوط والانحدار.
ترامب، يهرب من محطة إلى أخرى في عجالة مع الزمن ليداري فضائحه مع ماخور العالم “آبستين”، المؤرخ الأمريكي الفريد ماك كوي يقولها بصريح العبارة (نحن إمبراطورية آخذة في الانحدار ونعاني من اللاعقلانية لاسيما على الصعيد الدولي وسيستمر هذا الوضع لعقد أو عقدين حتى تتلاشي القوة الأمريكية).
ما تحاول الإدارات الأمريكية المتعاقبة هو تأخير عملية السقوط باستعراض القوة وسلب الثروات ونشر الفوضى في العالم، وشن الحروب غير الأخلاقية على القوي المنافسة والصاعدة اعتمادا على القوة الصناعية والتكنولوجية وغيرها، وهو ما ظهر مؤخراً في سلب ثروات الخليج والسعي للسيطرة على أمريكا الجنوبية والتوسع إلى “غرينلاند” تحت مبرر أن الدنمارك لا تستحقها لأنها أعلنت امتلاكها من خلال إرسال سفينة اليها فمن يمتلك سفنا أكثر هو أحق بها.
السيناريوهات التي تعدها المؤسسات الحاكمة هي التي يطبقها الرؤساء، وترامب لن يخرج عما حدد له، والعداوة مع فنزويلا أخذت شكلا ايدلوجيا تارة وتارة أخرى صراع مصالح، لكن حقيقته الاستيلاء على الثروات وهو ما يؤكده الكاتب الأمريكي توماس فريد مان مخاطبا شعب فنزويلا(ترامب لم يأت ليحرركم بل جاء لتحرير نفطكم وثرواتكم) وهو الأمر ذاته الذي يؤكد عليه السياسي الفرنسي جان لوك : (الحروب الأمريكية تكون حيث آبار النفط)، احتلت العراق وقيل أن هناك خيانة لكن ما ظهر يؤكد أن القوات الأمريكية استخدمت أسلحة محرمة دوليا أدت إلى تفحم الجنود داخل معداتهم العسكرية واليوم يتكرر الأمر في فنزويلا فقد تمت إعادة جنود كوبيين كانوا ضمن حراسة الرئيس الفنزويلي ذابت أجسادهم وتحولت إلى رماد بسبب المواجهة مع الأمريكان ودفاعا عن الرئيس مادورو.
المسألة في الرؤية الأمريكية تعتمد على امتلاك أسلحة فتاكة ومنع الأخرين من امتلاكها، لأن ذلك يهدد استمرارها وبقاء هيمنتها ونفوذها كقطب واحد، لكنها اليوم لم تعد وحيدة في التصنيع والتقدم وإن كانت الوحيدة في امتلاك القوة الشريرة التي تستطيع أن تستخدم كل الأسلحة المحرمة لأنها بمثابة الشيطان الأكبر على مستوى الداخل والخارج.
استفادت من الإمبراطوريات السابقة لها وتسللت رويداً رويداً وحلت مكانها ولم تتعلم من تجاربها المريرة في مواجهة الشعوب وهوما جلب عليها الهزائم المتتالية والرحيل من تلك الدول مع فارق الإمكانيات.
نصّبت الأنظمة العميلة وسلمتها السلطة، وأسقطت أخرى مستفيدة من الخونة والعملاء، وما يثار الآن حول اختطاف رئيس فنزويلا ونبرات الاستفهام هو محاولة للضحك لأنه ليس أول رئيس ولن يكون آخر رئيس، فقارة أمريكا الجنوبية والعالم كله ساحة صراع لمد النفوذ الأمريكي ومن يريد الاطلاع على التدخلات القذرة فليشاهد ما يجري في العالمين العربي والإسلامي من مآس ومجازر وهو نموذج مصغر لحقيقة السياسية الإجرامية الأمريكية.
ضابط المخابرات الأمريكية جون جون ستوكويل اعترف بما يلي: (أسقطنا ديمقراطيات دستورية قائمة في أكثر من 20 دولة وتلاعبنا بالانتخابات وشجعنا الاقليات العرقية على التمرد والثورة في نيكاراجوا وتايلاند وفيتنام ولاغوس والكنغو وإيران والعراق وفي مناطق مختلفة من العالم).
لم تعد المبررات التي يقولها ساسة أمريكا صالحة للاستخدام مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية والعدالة قابلة للتصديق حتى شعارات الاسلامو فوبيا التي يصدرونها للعالم كبديل عن الصراع مع الشيوعية التي سقطت، لأن المقصود الأول والأخير كما شهده العالم هو السيطرة على الثروات ومصادرة الحريات ونشر قيم الانحلال والتفسخ لتأمين استمرار السيطرة والاستحواذ أكثر من غيرها سواء باستخدام القوة العسكرية أو بالقوة الناعمة ومن خلال العملاء والخونة.
النادي النووي الذي صُمم لاحتكار القوة انفرط عقدة، والمؤسسات الدولية التي صُممت لتكريس الهيمنة والسيطرة من خلالها انتهت صلاحيتها بفعل أمريكا وتحالفاتها الإجرامية، هناك لاعبون جدد لا يخضعون للتهديد والوعيد والتنافس الآن هو في امتلاك تكنولوجيا المستقبل وامتلاك قاعدة صناعية وتجارية إلى جانب تأمين ذلك من خلال تصنيع السلاح؛ لكن أمريكا تنافس بالسلاح والاستيلاء على الثروات كي تؤمن المستقبل وتحمي نفسها من السقوط والانهيار.
أشعلت الحروب البينية، واستعانت بالمشروع الصهيوني لتعزير سيطرتها على السوق العالمية للسلاح من خلال نهب ثروات الشعوب وتصدير أسلحة لا لحماية شعوبهم بل لحمايتهم من شعوبهم.
السيطرة الأمريكية تسعى لتكريس الهيمنة المطلقة كقطب واحد لكنها لا تستطيع السيطرة على التكنولوجيا المتقدمة والصناعات الدفاعية والعسكرية، وهنا كان الالتجاء إلى الاستحواذ الكامل على مصادر الطاقة والثروات واعتماد الحسم العسكري كخيار من أجل إرهاب الآخرين ومنعهم من محاولة التفكير في منافسة أمريكا أو الدخول معها في صراع محسوم مسبقا.
من يستعرض تصريحات مسؤولي السياسات الأمريكية سيجد تشابها عجيبا أنها كتعاميم تتغير تواريخها وعناوينها لكن مضامينها واحدة ، فمسؤولة الاستخبارات الأمريكية الهندوسية تولسي غابارد التي تعبر عن التحالف القائم بين المشروع الصهيوني والصليبي والهندوسي تتحدث عن الأيديولوجية الإسلامية قائلة : (تمثل تهديداً لحرية أمريكا وأمنها وتتناقض مع الدستور الأمريكي في الحق والحياة والحرية وتحقيق السعادة وهذه الأيديولوجية تغذي جماعات إرهابية مثل القاعدة وداعش وحركة الشباب وحماس وبوكو حرام وغيرها) ، ومعظمها جماعات أنشأتها المخابرات الصهيونية الصليبية للاستعانة بها من أجل تبرير التدخل الأمريكي والصهيوني .
أمريكا استأجرت قناة بنما وحينما تم إلغاء الامتيازات عنها غزت بنما واقتادت رئيسها المنتخب وحاكمته بموجب قانونها وسجنته، واليوم يتكرر الأمر مع فنزويلا وحينما سُئل ترامب عن سبب السيطرة عليها قال ستحكمها أمريكا (سنفرض وجودنا وسنجعل النفط يتدفق كما ينبغي له أن يكون وسنقوم باستخراج كميات هائلة من الثروات نحن بحاجة إلى وصول كامل لها).
لم يبق شيء يحتاج إلى التبرير لكن السيناتور الأمريكي واكبر داعم للإجرام الصهيوني ليندسي غرهام تبرع بطرح المبرر(سيبقي هناك أمريكيون على قيد الحياة لأنه تم القضاء على دولة إرهاب ومخدرات تدعى فنزويلا وهذا امر جيد ) ولم يقتصر سرد المبررات على غرهام فمستشار ترامب ستيفن ميلر يقول : (أمريكا تستخدم جيشها لحماية مصالحها في نصف الكرة الأرضية التابع لها دون أي اعتذار نحن قوة عظمى وسنتصرف كذلك ومن السخف أن نسمح لدولة في جوارنا بان تصبح مزودا لخصومنا دون توفيرها لأنفسنا) ، لم يكن الفارق كبيراً بين تصريح الأول والأخير إلا أن عدم الرد على الأول شجع الثاني وأعطاه الحق لإعلان امتلاك نصف الكرة الأرضية والاستحواذ علي ثرواتها بالقوة لا بالتفاوض مع شعوبها ودولها.
الأسلوب الذي تسير عليه الإمبراطورية الأمريكية هي ذاتها الأساليب التي سارت عليها الإمبراطوريات السابقة لها ، السيطرة على الشعوب ونهب ثرواتها والاستعانة بالخونة والعملاء لكن ذلك لن يحميها من السقوط والانحدار ، بريطانيا سقطت وكانت إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس ومازالت حتى الآن تتلقى توريدات الأنظمة التي نصبتها إلى بنوكها وبنوك الكومنولث التابع لها وفرنسا سقطت كإمبراطورية ومازالت تستحوذ على ثروات قارة أفريقيا وتطبع لها، عملاتها وتقمع لها ثوراتها وتصدر لها الخونة والعملاء ليكونوا حُكاما عليها، وأمريكا اليوم تسير في ذات الاتجاه ولم تدرك أن اليورانيوم الذي أعطى لها القوة النووية مأخوذ من مناجم أفريقيا .
