كلما أتت ذكرى استشهاد الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، إلا والواقعُ ينطقُ بتصديقِ رؤيته، والحوادثُ تُحني هاماتِها إجلالاً لصوابيةِ منهجه. فنحنُ اليومَ في لُجّةِ المواجهةِ المباشرة مع قوى الاستكبار (أمريكا وإسرائيل)، ذات العدو الذي صرخَ الشهيدُ القائدُ في وجهه يومَ كان البعضُ يتخذُ من ذلك الشعارِ سُخريةً وعضين، ويتساءلون بلسانِ العجز: “أين هي أمريكا؟ وأين هي إسرائيل؟”. واليوم، حين حميَ الوطيسُ وانكشفَ الغطاء، تبيّنَ للأمةِ أنه لم يصمد في ميادينِ النزال، ولم يثبت في وجهِ ذلك الإعصار، بكل قوة وعنفوان واصرار، إلا من تدرّعَ بذلك الدرع القرآني وتشرّبَ ذلك الشعار والهدي الرباني.
إنَّ مَثلَ الشهيدِ القائدِ في أمتنا كَمَثلِ نبيِّ الله نوح؛ إذ صنعَ سفينةَ النجاةِ في فلواتِ القحطِ الفكري، فكان قومُه يمرونَ عليه ويأفكون: “تَصنعُ سفينةً في البر! إنك لفي ضلالٍ أو جنون”. وما كانت تلك السفينةُ إلا المشروع القرآني الذي استهزأ به الغافلون، حتى إذا جاء طوفانُ الأحداثِ وسالت أوديةُ الفتن، غرقَ المستسلمون في وحلِ التبعية، ونجا من ركبَ في سفينةِ العزّةِ والقرآن.
وإذا رُمنا مَعرفةَ عظمةِ هذا الرجل، فقفوا وتأملوا في سرِّ هذا الثباتِ الأسطوري؛ فلو كان غيرُ “الشهيد القائد والسيد المقدس” في ذلك القحطِ والموات، لما جرؤَ على مجردِ التفكير، فضلاً عن التحركِ والتدبير. لم يكن حولهُ ما يُغري بالبقاء، ولا بصيصٌ يمنحُ الرجاء؛ بل كان زمناً يرى في التحركِ هلاكاً محققاً، ومغامرةً لا يحمدُها القاعدون.
كان بمقدورهِ أن يخلدَ إلى السكينةِ كغيره، ويصيغَ لنفسه ألفَ عذرٍ وعذر؛ فلا الأموالُ طوعُ بنانه، ولا الآذانُ صاغيةٌ لبيانه، ولا العقولُ والنفوسُ مستعدةٌ لحملِ أمانته.
ولكنَّ هيبةَ اللهِ في قلبهِ منعتْهُ من القعود، وثقتَه بوعودِ ربهِ دفعتهُ للصمود، وبصيرتَه بالخطرِ الماحقِ حرّكتْهُ للنهوضِ والذود ومقارعة الضلال والاضلال.
لقد انطلقَ من “نقطةِ الصفر” والواقعُ من حولهِ هشيم، تحركَ فنعتوهُ بـ “المتمرد” فما التفت، وصدعَ بالحقِّ فسخروا من ملازمهِ فما وهنَ ولا خفت. كان يبصرُ ببنورِ الله ما لا يراهُ المبصرون؛ يثقُ بالله ويرى بنوره أنه سيجدُ من يتحركُ معهُ وإن تأخروا، ومن يصرخُ بصرختهِ وإن ترددوا، ومن يحملُ لواءَهُ وإن تهرّبوا.
لقد كان الشهيدُ القائدُ جندياً لـ “وعدِ الله” في زمنِ الطمع، وحاملاً لـ “لواءِ النور” في عصرِ الظلمِ والقمع. أرادَ الأعداءُ إطفاءَنا، فكان هو “نورَ الله” الذي كشفَ الحقائق، وثبّتَ العقائد، وحوّلَ المستضعفينَ إلى عمالقةٍ عظام، والمستكبرينَ إلى أقزامٍ صغار.
واذا رُمنا أيضاً معرفة قيمة وعظمة ماجاء به،
فلا بدَّ من استنطقِ التاريخِ عما قبلَ بزوغِ مشروعه؛ فقد كانت الأوضاعُ مأساويةً تفتتُ الأكباد، والأمةُ ترسفُ في أغلالِ استضعافٍ مَهين، وخضوعٍ تامٍ لم تسبق له مثيل. كان الجميعُ يدركُ أنه مستهدفٌ في دينه ودنياه، لكنهم استسلموا لانتظارِ حتفهم وكل واحد منتظر لدوره ، حتى جاءت أحداث نيويورك “مسرحيةُ البرجين” في سبتمبر، فخرجَ “بوش الأصغر والأحقر” بصلفهِ المعهود ليُعلنَ منطقَ الغاب ويعلنها :أنها حرب صليبية أي (دينية )و “من ليس معنا فهو ضدنا” وبذريعة مكافحة الإرهاب .
حينها، خيّمَ الصمتُ الجنائزيُّ على الحواضرِ والعواصم؛ صمتَ الزعماءُ هلعاً وذهبوا ليوقعوا وينصبوا أمريكا -أم الإرهاب- لزعامة ما سموه (مكافحة الإرهاب )، وخرسَ المثقفون والنخبُ طوعاً، بل حتى “علماءُ الدين” لم يجرؤوا على صياغةِ بيانِ إدانةٍ واحد وانطلقوا ليحلقوا لحاهم خوفاً ورعبا .
والسرُّ في ذلك الانكسار هو أزمة الثقة بالله وغيابُ الروحِ الجهاديةو القرآنية؛ فقد حوّلوا القرآنَ إلى نقوشٍ صامتةٍ تُزينُ المحاريب، وكلماتٍ ميتةٍ تُزخرفُ المنابر،وشعارات لأحزابهم وتنظيماتهم ، وفصلوهُ عن واقعِ الحياةِ وعن السياسة والاقتصاد وغيرها. استبدلوا “الجهادَ الكبير” الذي أمرَ به اللهُ لمواجهةِ الكافرين – بقوله تعالى ( فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا )، استبدلوه بحلقات “الأورادِ وتكرار السور الف مرة وأكثر بأن الله يهلك الأعداء” فاصبحت تكتفي بالتمنّي، وتنتظرُ المعجزاتِ بقعودٍ واستخذاء، بينما العدوُّ ينتهكُ الحرماتِ جهاراً نهاراً.
لقد انطلقَ الشهيدُ القائدُ ليعيدَ صياغةَ الإنسانِ بالقرآن، فحرّضَ وأحيا وبصّر، فارتعدت فرائصُ قوى الاستكبار العالمي والشر؛ لأنهم يدركونَ أنَّ العبادةَ الصامتةَ لا تُزعجُ عروشهم. وكما كان رسولُ الله ﷺ آمناً في غارِ حراء لا يلقى كيداً، فلما انطلقَ آمراً بالمعروفِ ونااهياً عن المنكرِ ناصباً لواءَ التغيير، رشقتهُ العربُ عن قوسٍ واحدة؛ هكذا كان حالُ الشهيدِ القائد؛ حين حرّكِ الراكدَ وأيقظَ الوسنان، شنوا عليهِ الحروبَ لوأدِ النورِ في مَهده.
لقد كان القدسُ بوصلتَه الأولى، وفلسطينُ نبضَ حركته؛ فجعلها صدراً وبداية لمحاضراته وأولويّةً لمسيرته. لم يطلب مجداً زائلاً، ولا منصباً باطلاً -وهو الذي كان عضواً في السلطةِ التشريعية- بل حرّكهُ أنينُ المستضعفين في أفغانستان والعراق وفلسطين، وآلمهُ دمعُ اليتامى وصراخُ الثكالى، في زمنٍ نَصّبت فيه “أمريكا” نفسَها إلهاً يُطاعُ من دونِ الله، تنهبُ الثرواتِ وتستعبدُ العباد.
جاءَ الشهيدُ القائدُ ليكسرَ “وثنَ الرهبة” من أمريكا، وليُعَّرفَ الخلقَ بخالقهم، في زمنٍ كان الناسُ يرهبون “البيت الأبيض” أكثر مما يرهبون “ربَّ البيت”. فصحّحَ المفاهيمَ المغلوطة والعقائد الباطلة، وأعادَ بناءَ الثقةِ بالله التي كانت قد تزعزعت حتى في أبسطِ المعاملات، حتى صنعَ أمةً مجاهدةً تأبى الضيم، وتنصرُ المظلومَ في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها.
وها نحنُ اليوم، نقطفُ ثمارَ ذلك التحركِ العظيم؛ يمنٌ يصدعُ بالحقِّ في وجهِ العالم، يضربُ عمقَ الكيانِ الصهيوني بصواريخَ فرطِ صوتية، ويحاصرُ بوارجَ الاستكبارِ في أعالي البحار، انتصاراً لـ “غزة” وتجسيداً للمبدأ.
ولم يقفِ الثمرُ عند عتباتِ العسكر؛ ففي الجانب الاقتصادي رأينا كيف تتحولُ المعاناةُ إلى فرص، وبمواردَ شحيحةٍ تُبنى الدولةُ وتواجهُ حصارَ المرتزقةِ الذين قطعوا الأرزاق.
وفي الجانب الأمني، تهاوت خلايا التجسسِ والإفساد، وعمَّ الأمنُ ربوعَ العاصمةِ والمدن، فلا تفجيرَ يروعُ آمناً، ولا اختراقَ يفتُّ في عضدِ المجتمع.
إنها المسيرةُ التي انطلقت من القرآن، وانتهت إلى العزة، لتؤكدَ للعالمِ أنَّ من كان اللهُ معهُ، فماذا فقد؟ ومن ضلَّ عن الله، فماذا وجد؟
وإنه شهيد القران الذي قدّمَ رأسَهُ فداءً لهذا النور، وحرصاً على بلوغِ الرشدِ والظهور، حتى استحالَ دمُه طوفانًا يقتلعُ عروشَ الطاغوت. فسلامٌ عليهِ يومَ جاهدَ ليُتمَّ نورَ الله، وسلامٌ عليهِ يومَ ارتقى شهيداً مقبلاً غيرَ مدبرٍ في سبيلِ الله.
وفي الختام
فالوفاءَ لهذا الشهيدِ المقدس ليس مجردَ ذكرى تُحيى، بل هو عقيدةٌ تُستكمل، ومسيرةٌ تُواصل .
الواجب علينا اليومَ يقتضي منا أن نكونَ مصاديقَ حيةً لذلك النور، نجسده واقعاً عمليا في الواقع،ونقوم ببناءِ أنفسنا إيمانياً، وتحصينِ مجتمعاتنا وعياً، ومواصلةِ الثباتِ في وجهِ الطغاةِ حتى يتحققَ وعدُ اللهِ الحق.
وان لا نرتدَّ على أعقابنا بعد أن هُدينا، وألّا نلينَ في مواجهةِ المستكبرين وقد عرفنا سرَّ الغلبة. فليكن تعظيمنا له عبرَ الاستبسالِ في نصرةِ المظلومين، والارتقاء بوطننا تصنيعاً وزراعةً وقوة، لنثبتَ للعالم أنَّ الدمَ الذي سُفك في “مُرّان” قد أينعَ في كلِّ سهلٍ وجبل، كرامةً لا تُنال، وعزةً لا تُطال.
